تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
وقال بعض العلماء : العفو نقيض الجهد ، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع . ومنه قول الشاعر :
خذي العفو مني تستديمي مودتي * ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
وهذا القول راجع إلى ما ذكرنا ، وبقية الأقوال ضعيفة ، وقوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
[ الإسراء : 29 ] ، فنهاه عن البخل بقوله :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ،
ونهاه عن الإسراف بقوله :
وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ،
فيتعين الوسط بين الأمرين ، كما بينه بقوله :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
[ الفرقان : 67 ] . فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير وبين البخل والإقتار ، فالجود غير التبذير ، والاقتصاد غير البخل فالمنع في محل الإعطاء مذموم ، وقد نهى اللّه عنه نبيه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك » ، والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا ، وقد نهى اللّه عنه نبيه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « ولا تبسطها كل البسط » . وقد قال الشاعر :
لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت * يداه كالمزن حتى تخجل الديما
فإنها خطرات من وساوسه * يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
وقد بين تعالى في مواضع أخرى ، أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك إلا إذا كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي اللّه كقوله تعالى :
قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
[ البقرة : 215 ] الآية ، وصرح في أن الإنفاق فيما لا يرضي اللّه حسرة على صاحبه في قوله :
فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً
[ الأنفال : 36 ] . وقد قال الشاعر :
إن الصنيعة لا تعد صنيعة * حتى يصاب بها طريق المصنع
فإن قيل : هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد عن الحاجة الضرورية ، مع أن اللّه تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا ، وذلك في قوله :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ