أنا برجل يقول : آه آه ، فأشار إلي ابن عمي أن أنطلق إليه ، فإذا هو هشام بن العاص ، فقلت أسقيك ؟ فأشار أن نعم ، فسمع آخر يقول آه آه . فأشار هشام أن أنطلق إليه فجئته ، فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى هشام ، فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات « 1 » .
وكان منهج الخواص من بعدهم ، كما نقل القرطبي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال : ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ ، قدم علينا حاجا فقال لي : ما حد الزهد عندكم ؟ فقلت : إن وجدنا أكلنا ، وإن فقدنا صبرنا ، فقال : هكذا كلاب بلخ عندنا . فقلت : وما حد الزهد عندكم ؟ قال : إن فقدنا شكرنا وإن وجدنا آثرنا « 2 » .
وفي قوله :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
[ الحشر : 9 ] . الإيثار على النفس : تقديم الغير عليها مع الحاجة ، والخصاصة : التي تختل بها الحال ، وأصلها من الاختصاص ، وهو الانفراد في الأمر . فالخصاصة الانفراد بالحاجة أي ولو كان بهم فاقة وحاجة . ومنه قول الشاعر :
أما الربيع إذا تكون خصاصة * عاش السقيم به وأثرى المقتر
وهل يصح الإيثار من كل إنسان ولو كان ذا عيال أو تلزمه نفقة غيره أم لا ؟ وما علاقته مع قوله :
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
[ البقرة : 219 ] ؟ .
والجواب على هذا كله في كلام الشيخ رحمه اللّه على قوله تعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
( 3 ) [ البقرة : 3 ] في أول سورة البقرة .
قال رحمه اللّه : قوله تعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ،
عبر في هذه الآية الكريمة بمن التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه اللّه بعض ما له كله ، ولم يبين هنا القدر الّذي ينبغي إنفاقه ، والذي ينبغي إمساكه ، ولكنه بين في مواضع أخرى أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة ، وسد الخلّة التي لا بد منها ، وذلك كقوله :
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ،
والمراد بالعفو الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات ، وهو مذهب الجمهور ومنه قوله تعالى :
حَتَّى عَفَوْا
أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم .
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 18 / 28 .
( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 18 / 28 ، 29 .