يؤمن معه إلا القليل .
ولذا كان قول نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام
وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً
[ نوح : 27 ] ، كان بدليل الاستقراء من قومه ، والعلم عند اللّه تعالى .
وقوله تعالى :
وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
( 26 ) [ نوح : 26 ] ، لم يبين هنا هل استجيب له أم لا ؟ وبينه في مواضع أخر منها قوله :
وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ
[ الأنبياء : 76 ] .
وفي هذه السورة نفسها وقبل هذه الآية مباشرة قوله تعالى :
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً
[ نوح : 25 ] فجمع اللّه لهم أقصى العقوبتين الإغراق والإحراق ، مقابل أعظم الذنبين الضلال والإضلال .
وكذلك بين تعالى كيفية إهلاك قومه ونجاته هو وأهله ومن معه في قوله :
فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[ القمر : 10 - 14 ] الآية .
قال ابن كثير : لقد أغرق اللّه كل من على وجه الأرض من الكفار ، حتى ولد نوح من صلبه . وهنا تنبيه على قضية ولد نوح في قوله
يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا
إلى قوله
فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
[ هود : 42 - 43 ] لما أخذت نوحا العاطفة على ولده قال :
رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
إلى قوله :
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
[ هود : 45 - 46 ] أثار بعض الناس تساؤلا حول ذلك في قراءة
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
[ هود : 46 ] ، إنه عمل ماضي يعمل أي بكفره .
وتساءلوا حول صحة نسبه ، والحق أن اللّه تعالى قد عصم نساء الأنبياء إكراما لهم ، وأنه ابنه حقا ، لأنه لما قال
إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
[ هود : 45 ] تضمن هذا القول أمرين نسبته إليه في بنوته .
ثانيا : نسبته إليه في أهله ، فكان الجواب عليه من اللّه بنفي النسبة الثانية لا الأولى ، إنه ليس من أهلك . ولم يقل : إنه ليس ابنك ، والأهل أعم من الابن ، ومعلوم أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ، والعكس بالعكس ، فلما نفى نسبته إلى أهله علمنا أن نسبته إليه بالبنوة باقية ، ولو لم يكن ابنه لصلبه لكان النفي ينصب عليها .
ويقال : إنه ليس ابنك ، وإذا نفى عنه البنوة انتفت عنه نسبته إلى أهله ، وكذلك