العلة مركبة من المشاقة . ومن هذه الصفات التي اختصوا بها ، وكان الحكم صريحا هنا بقوله عنهم :
فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ
[ البقرة : 85 ] . وكان خزيهم في الدنيا : هو ما وقع بهم من إخراج وتخريب وتقتيل .
وإن من كانت هذه حاله كما تقدم ، لم يكن لهم الاستئصال الكلي بإخراجهم أو تقتيلهم ، فلم يعد يصلح فيهم استصلاح ولا يتوقع منهم صلاح ، ويكفي شاهدا على ذلك أن بني قريظة لم يتعظوا ، ولم يستفيدوا ولم يعتبروا كما أمرهم اللّه :
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
( 2 ) [ الحشر : 2 ] .
ما اتعظ بنو قريظة بما وقع بإخوانهم بني النضير ، فلجؤوا بعد عام واحد إلى ما وقع فيه بنو النضير من غدر وخيانة ، فكان اختصاص اليهود بالحكم لتلك العلة المشتركة ، لأنهم - وإن شاركهم غيرهم في المشاقة - فلم يشاركهم غيرهم في الجانب الآخر مما قدمنا من دوافع المشاقة .
وللدوافع تأثير في الحكم ، كما في قصة آدم وإبليس . فقد اشترك آدم وإبليس في عموم علة العصيان ، إذ نهي آدم عن قربان الشجرة ، وأمر إبليس بالسجود لآدم مع الملائكة ، فأكل آدم مما نهي عنه ، وامتنع إبليس عما أمر به فاشتركا في العصيان كما قال تعالى عن آدم :
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى
( 121 ) [ طه : 121 ] ، وقال عن إبليس :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
[ الأعراف : 12 ] ، ولكن السبب كان مختلفا ، فآدم نسي ووقع تحت وسوسة الشيطان فخدع بقسم إبليس باللّه تعالى
وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
( 21 ) [ الأعراف : 21 ] ، وكانت معصية عن إغواء ووسوسة
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ
[ البقرة : 36 ] .
أما إبليس ، فكان عصيانه عن سبق إصرار ، وعن حسد واستكبار كما قال تعالى :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ
( 34 ) [ البقرة :
34 ] ، ولما خاطبه اللّه تعالى بقوله :
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
( 75 ) [ ص : 75 ] قال في إصراره وحسده وتكبره :
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
( 76 ) [ ص : 76 ] .
فاختلفت الدوافع ، وكان لدى إبليس ما ليس لدى آدم في سبب العصيان وبالتالي