لهم ، وهنا أقصى مراتب العلو في الخلق .
وقد أكد هذا السياق بعوامل المؤكدات باندراجه في جواب القسم الأول في أول السورة ، وبأن اللام في لعلى ، وجاء بعلى الدالة على الاستعلاء والتمكن بدل من ذو مثلا ذو خلق عظيم لبيان قوة التمكن والاستعلاء ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم فوق كل خلق عظيم متمكّن منه مستعل عليه .
وقد أجمل الخلق العظيم هنا وهو من أعم ما امتدح اللّه به رسوله صلى اللّه عليه وسلم في كتابه ، وقد أرشدت عائشة رضي اللّه عنها إلى ما بين هذا الإجمال حينما سئلت عن خلقه صلى اللّه عليه وسلم الذي امتدح به فقالت « كان خلقه القرآن » « 1 » ، تعني واللّه تعالى أعلم : أنه صلى اللّه عليه وسلم يأتمر بأمره وينتهي بنواهيه ، كما في قوله تعالى
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ الحشر : 7 ] .
وكما في قوله تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[ الإسراء : 9 ] .
وكما قال صلى اللّه عليه وسلم « لن يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به » ، فكان هو صلى اللّه عليه وسلم ممتثلا لتعاليم القرآن في سيرته كلها ، وقد أمرنا بالتأسي به صلوات اللّه وسلامه عليه ، فكان من أهم ما يجب على الأمة معرفة تفصيل هذا الإجمال ليتم التأسي المطلوب .
وقد أخذت قضية الأخلاق عامة ، وأخلاقه صلى اللّه عليه وسلم خاصة . محل الصدارة من مباحث الباحثين وتقرير المرشدين ، فهي بالنسبة للعموم أساس قوام الأمم ، وعامل الحفاظ على بقائها ، كما قيل :
إنّما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وقد أجمل صلى اللّه عليه وسلم البعثة كلها في مكارم الأخلاق في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » « 2 » .
وقد عنى أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رضوان اللّه تعالى عليهم بقضية أخلاقه بعد نزول هذه الآية ، فسألوا عائشة رضي اللّه عنها عن ذلك فقالت : « كان خلقه القرآن » وعني بها العلماء بالتأليف ، كالشمائل للترمذي .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة : أحمد في المسند 2 / 381 ، والحاكم في المستدرك ، كتاب التاريخ 2 / 613 .