ثم قال :
فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً
( 2 ) [ الإنسان : 2 ] وهما حاستا الإدراك والتأمل ، فقال :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
[ الإنسان : 3 ] مع استعداده للقبول والرفض .
وقوله :
إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
( 3 ) [ الإنسان : 3 ] مثل قوله هنا :
فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
[ التغابن : 2 ] أي بعد التأمل والنظر وهداية السبيل بالوحي ، ولذا جاء في هذا السياق من هذه السورة :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا
[ التغابن : 8 ] .
وبكل ما تقدم في الجملة يظهر لنا أن اللّه خلق الإنسان من نطفة ثم جعل له سمعا وبصرا ونصب الأدلة على وجوده وقدرته على بعث الموتى ، ومن ثم مجازاتهم على أعمالهم وأرسل إليه رسله وهداه النجدين ، ثم هو بعد ذلك إما شاكرا وإما كفورا ولو احتج إنسان في الدنيا بالقدر لقيل له : هل عندك علم بما سبق في علم اللّه عليك ، أم أن اللّه أمرك ونهاك وبين لك الطريق .
وعلى كل ، فإن قضية القدر من أخطر القضايا وأغمضها ، كما قال علي رضي اللّه عنه : القدر سرّ اللّه في خلقه .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا ذكر القضاء فأمسكوا » « 1 » ، ولكن على المسلم النظر فيما أنزل اللّه من وحي وبعث من رسل .
وأهم ما في الأمر هو جري الأمور على مشيئة اللّه وقد جاء موقف عملي في قصة بدر ، يوضح حقيقة القدر ويظهر غاية العبر في قوله تعالى :
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
[ الأنفال : 43 ] .
فهو تعالى الذي سلم من موجبات التنازع والفشل بمقتضى علمه بذات الصدور .
ثم قال :
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
( 44 ) [ الأنفال : 44 ] ، فقد أجرى الأسباب على مقتضى إرادته فقلل كلا من الفريقين في أعين الآخر ليقضي اللّه أمرا كان في سابق علمه مفعولا ، ثم بين المنتهى ،
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
( 44 ) ، والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا
هامش
( 1 ) أخرجه عن ثوبان الطبراني في المعجم الكبير حديث 1427 ، وعن ابن مسعود حديث 10448 .