يتمشى مع قوله تعالى :
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
[ الحشر : 2 ] .
وجملة هذا السياق هنا يتفق مع السياق في سورة الأحزاب عن بني قريظة سواء بسواء ، وذلك في قوله تعالى :
وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ( 26 ) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
[ الأحزاب : 26 - 27 ] وعليه ظهرت حقيقة إسناد إخراجهم للّه تعالى ، فأتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا ، وقذف في قلوبهم الرعب . كما أنه هو تعالى الذي رد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا . بما أرسل عليهم من الرياح والجنود ، وهو الذي كفى المؤمنين القتال . وهو تعالى الذي أنزل بني قريظة من صياصيهم . وورث المؤمنين ديارهم وأموالهم ، وكان اللّه على كل شيء قديرا .
ورشح لهذا كله التذييل في آخر الآية . يطلب الاعتبار والاتعاظ بما فعل اللّه بهم :
يا أُولِي الْأَبْصارِ
( 2 ) [ الحشر : 2 ] أي بإخراج الذين كفروا من حصونهم وديارهم ومواطن قوتهم ، ما ظننتم أن يخرجوا لضعف اقتداركم ، وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم لقوتها ومنعتها ، ولكن أتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب . فلم يستطيعوا البقاء . وكانت حقيقة إخراجهم من ديارهم هي من اللّه تعالى .
قوله تعالى :
لِأَوَّلِ الْحَشْرِ .
اختلف في معنى الحشر في هذه الآية ، وبناء عليه اختلف في معنى الأول .
فقيل : المراد بالحشر أرض المحشر ، وهي الشام .
وقيل المراد بالحشر : الجمع .
واستدل القائلون بالأول بآثار منها : ما رواه ابن كثير عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : من شك في أن أرض المحشر ها هنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية :
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ
« 1 » ، وما رواه أبو حيان في البحر عن عكرمة أيضا والزهري ، وساق قوله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لبني النضير :
أخرجوا ، قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى أرض المحشر « 2 » . وعلى هذا تكون الأولية هنا
هامش
( 1 ) أخرجه ابن كثير في التفسير 4 / 333 .
( 2 ) البحر المحيط 8 / 243 .