تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من أنه إذا قامت القيامة يخسر المبطلون ، أوضحه جل وعلا في سورة الجاثية في قوله تعالى :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ
( 27 ) [ الجاثية : 27 ] . والمبطل هو : من مات مصرا على الباطل . وخسران المبطلين المذكور هنا ، قد قدمنا بيانه في سورة يونس ، في الكلام على قوله تعالى :
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
( 45 ) [ يونس : 45 ] . قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 79 ) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 80 )
[ 79 - 80 ] . قد قدمنا أن لفظة جعل ، تأتي في اللغة العربية لأربعة معان ، ثلاثة منها في القرآن . الأول : إتيان جعل بمعنى اعتقد ، ومنه قوله تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
[ الزخرف : 19 ] أي اعتقدوهم إناثا ، ومعلوم أن هذه تنصب المبتدأ والخبر . الثاني : جعل بمعنى صيّر ، كقوله :
حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ
( 15 ) [ الأنبياء : 15 ] وهذه تنصب المبتدأ والخبر أيضا . الثالث : جعل بمعنى خلق ، كقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[ الأنعام : 1 ] أي خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور . والظاهر ، أن منه قوله هنا :
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ
أي خلق لكم الأنعام ، ويؤيد ذلك قوله تعالى :
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ
[ النحل : 5 ] ، وقوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً
[ يس : 71 ] الآية . الرابع : وهو الذي ليس في القرآن جعل بمعنى شرع ، ومنه قوله :
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني * ثوبي فانهض نهض الشارب السّكر
وما ذكره اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، من الامتنان بهذه النعم الكثيرة ، التي أنعم عليهم بها ، بسبب خلقه لهم الأنعام وهي الذكور والإناث ، من الإبل والبقر والضأن والمعز ، كما قدمنا إيضاحه في سورة آل عمران في الكلام على قوله : والأنعام والحرث بينه أيضا في مواضع أخر ، كقوله تعالى :
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 5 ) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( 6 ) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ
[ النحل : 5 - 7 ] . والدفء ما يتدفؤون به في الثياب المصنوعة من جلود الأنعام وأوبارها وأشعارها وأصوافها .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 64 | الشنقيطي