الوجه الثالث : أن معنى قوله :
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا
( 5 ) نزعت من أماكنها وقلعت ، وقد أوضحنا أن هذا الوجه راجع للوجه الأول مع الإيضاح التام لأحوال الجبال يوم القيامة ، وأطوارها ، بالآيات القرآنية ، وفي سورة طه في الكلام على قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً
( 105 ) [ طه : 105 ] ، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا
( 6 ) كقوله تعالى :
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً
( 20 ) [ النبأ : 20 ] ، والهباء إذا انبث ، أي تفرق ، واضمحل وصار لا شيء ، والسراب قد قال اللّه تعالى فيه :
حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
[ النور : 39 ] .
قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ( 7 )
[ 7 ] .
أي صرتم أزواجا ثلاثة ، والعرب تطلق كان بمعنى صار ، ومنه
وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
( 35 ) [ البقرة : 35 ] أي فتصيرا من الظالمين .
ومنه قول الشاعر :
بتيهاء قفر والمطي كأنها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها
وقوله :
أَزْواجاً :
أي أصنافا ثلاثة ، ثم بين هذه الأزواج الثلاثة بقوله :
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 ) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ( 9 ) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
( 12 ) [ الواقعة : 8 - 12 ] أما أصحاب الميمنة فهم أصحاب اليمين ، كما أوضحه تعالى بقوله :
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ( 27 ) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ
( 28 ) [ الواقعة :
27 - 28 ] الآيات ، وأصحاب المشأمة هم أصحاب الشمال كما أوضحه تعالى : بقوله
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ( 41 ) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ
( 42 ) [ الواقعة : 41 - 42 ] الآيات .
قال بعض العلماء : قيل لهم أصحاب اليمين لأنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم .
وقيل : لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة .
وقيل : لأنهم عن يمين أبيهم آدم ، كما رآهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كذلك ليلة الإسراء .
وقيل سموا أصحاب اليمين ، وأصحاب الميمنة لأنهم ميامين ، أي مباركون على أنفسهم ، لأنهم أطاعوا ربهم فدخلوا الجنة ، واليمن البركة .
وسمي الآخرون أصحاب الشمال ، وقيل : لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم .
وقيل : لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار ، والعرب تسمي الشمال شؤما ، كما تسمي اليمين يمينا ، ومن هنا قيل لهم أصحاب المشأمة أو لأنهم مشائيم على أنفسهم :
فعصوا اللّه فأدخلهم النار ، والمشائيم ضد الميامين ، ومنه قول الشاعر :
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلا بين غرابها