واعلم أن الثلة تشمل الجماعة الكثيرة ، ومنه قول الشاعر :
فجاءت إليهم ثلة خندفية * بجيش كتيار من السيل مزيد
لأن قوله : تيار من السيل : يدل على كثرة هذا الجيش المعبر عنه بالثلة .
وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الثلة من الأولين ، وهذا القليل من الآخرين المذكورين هنا ، كما اختلفوا في الثلتين المذكورتين في قوله :
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 39 ) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
( 40 ) [ الواقعة : 39 - 40 ] . فقال بعض أهل العلم : كل هؤلاء المذكورين من هذه الأمة ، وأن المراد بالأولين منهم الصحابة .
وبعض العلماء يذكر معهم القرون المشهود لهم بالخير في قوله صلّى اللّه عليه وسلم « خير القرون قرني ثم الذين يلونهم » « 1 » الحديث . والذين قالوا : هم كلهم من هذه الأمة ، قالوا : إنما المراد بالقليل ، وثلة من الآخرين ، وهم من بعد ذلك إلى قيام الساعة .
وقال بعض العلماء : المراد بالأولين في الموضعين الأمم الماضية قبل هذه الأمة ، فالمراد بالآخرين فيهما هو هذه الأمة .
قال مقيده عفا اللّه عنه ، وغفر له : ظاهر القرآن في هذا المقام : أن الأولين في الموضعين من الأمم الماضية ، والآخرين فيهما من هذه الأمة ، وأن قوله تعالى :
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
( 14 ) في السابقين خاصة ، وأن قوله :
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 39 ) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
( 40 ) [ الواقعة : 39 - 40 ] في أصحاب اليمين خاصة .
وإنما قلنا : إن هذا هو ظاهر القرآن في الأمور الثلاثة ، التي هي شمول الآيات لجميع الأمم ، وكون قليل من الآخرين في خصوص السابقين ، وكون ثلة من الآخرين في خصوص أصحاب اليمين لأنه واضح من سياق الآيات .
أما شمول الآيات لجميع الأمم فقد دل عليه أول السورة ، لأن قوله :
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ
( 1 ) - إلى قوله -
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا
( 6 ) [ الواقعة : 1 - 6 ] لا شك أنه لا يخص أمة دون أمة ، وأن الجميع مستوون في الأهوال والحساب والجزاء .
فدل ذلك على أن قوله :
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً
( 7 ) [ الواقعة : 7 ] عام في جميع أهل المحشر ، فظهر أن السابقين وأصحاب اليمين منهم من هو من الأمم السابقة ، ومنهم من هو من هذه الأمة .
وعلى هذا ، فظاهر القرآن ، أن السابقين من الأمم الماضية أكثر من السابقين من هذه الأمة ، وأن أصحاب اليمين من الأمم السابقة ليست أكثر من أصحاب اليمين من هذه الأمة ،
هامش
( 1 ) أخرجه : البخاري في الشهادات حديث 2652 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 212 .