وقال بعض العلماء : تقديره ، خافضة بعض الأجرام التي كانت مرتفعة كالنجوم التي تسقط وتتناثر يوم القيامة ، وذلك خفض لها بعد أن كانت مرتفعة ، كما قال تعالى :
وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ
وقال تعالى :
وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ .
رافعة : أي رافعة بعض الأجرام التي كانت منخفضة كالجبال التي ترفع من أماكنها وتسير بين السماء والأرض كما قال تعالى :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً
[ الكهف :
47 ] ، فقوله :
وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً ،
لأنها لم يبق على ظهرها شيء من الجبال ، وقال تعالى :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
[ النمل : 88 ] .
وقد قدمنا أن التحقيق الذي دل عليه القرآن ، أن ذلك يوم القيامة ، وأنها تسير بين السماء والأرض كسير السحاب الذي هو المزن .
وقد صرح بأن الجبال تحمل هي والأرض أيضا يوم القيامة . وذلك في قوله تعالى :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 13 ) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ
[ الحاقة : 13 - 14 ] الآية .
وعلى هذا القول ، فالمراد تعظيم شأن يوم القيامة ، وأنه يختل فيه نظام العالم ، وعلى القولين الأولين ، فالمراد الترغيب والترهيب ، ليخاف الناس في الدنيا من أسباب الخفض في الآخرة فيطيعوا اللّه ويرغبوا في أسباب الرفع فيطيعوه أيضا ، وقد قدمنا مرارا أن الصواب في مثل هذا حمل الآية على شمولها للجميع .
قوله تعالى :
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ( 4 ) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ( 6 )
[ 4 - 6 ] .
قد قدمنا أن الأظهر عندنا أن قوله
إِذا رُجَّتِ .
بدل من قوله
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ
( 1 ) ، والرج : التحريك الشديد ، وما دلت عليه هذه الآية من أن الأرض يوم القيامة تحرك تحريكا شديدا جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى :
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها
( 1 ) [ الزلزلة : 1 ] ، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى :
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
( 1 ) [ الحج : 1 ] وقوله تعالى :
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا
( 5 ) في معناه لأهل العلم أوجه متقاربة ، لا يكذب بعضها بعضا وكلها حق ، وكلها يشهد له قرآن .
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة قد يكون فيها أوجه كلها حق وكلها يشهد له قرآن ، فنذكر جميع الأوجه وأدلتها القرآنية .
قال أكثر المفسرين
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا
( 5 ) أي فتت تفتيتا حتى صارت كالبسيسة ، وهي دقيق ملتوت بسمن ، ومنه قول لص من غطفان أراد أن يخبز دقيقا عنده فخاف أن يعجل عنه ، فأمر صاحبيه أن يلتاه ليأكلوه دقيقا ملتوتا ، وهو البسيسة .
لا تخبزا خبزا وبسابسا * ولا تطيلا بمناخ حبسا