تعالى في أول سورة الجاثية
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[ الجاثية : 5 ] فأوضح بقوله
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
أن مراده بالرزق المطر ، لأن المطر هو الذي يحيي اللّه به الأرض بعد موتها .
وقد أوضح جل وعلا ، أنه إنما سمي المطر رزقا ، لأن المطر سبب الرزق ، في آيات كثيرة من كتابه ، كقوله تعالى في سورة البقرة
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ
[ البقرة : 22 ] الآية ، والباء في قوله فأخرج به سببية كما ترى .
وكقوله تعالى في سورة إبراهيم :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ
[ إبراهيم : 32 ] الآية . وقوله تعالى في سورة ق :
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 ) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 10 ) رِزْقاً لِلْعِبادِ
[ ق : 9 - 10 ] .
وبين في آيات أخر أن الرزق المذكور ، شامل لما يأكله الناس ، وما تأكله الأنعام ، لأن ما تأكله الأنعام ، يحصل بسببه للناس الانتفاع بلحومها ، وجلودها وألبانها ، وأصوافها وأوبارها ، وأشعارها ، كما تقدم كقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ
( 27 ) [ السجدة : 27 ] وقوله تعالى
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
[ النحل : 10 - 11 ] الآية .
فقوله : فيه تسيمون ، أي تتركون أنعامكم سائمة فيه تأكل منه من غير أن تتكلفوا لها مؤونة العلف كما تقدم إيضاحه بشواهده العربية ، في سورة النحل وكقوله تعالى
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ( 53 ) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ
[ طه : 53 - 54 ] الآية . وقوله تعالى :
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ( 31 ) وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 33 )
[ النازعات : 31 - 33 ] إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى :
وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ( 13 )
[ 13 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أن الناس ما يتذكر منهم ، أي ما يتعظ بهذه الآيات المشار إليها في قوله :
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ
( 13 ) أي من رزقه اللّه الإنابة إليه .
والإنابة : الرجوع عن الكفر والمعاصي ، إلى الإيمان والطاعة .
وهؤلاء المنيبون ، المتذكرون ، المتعظون ، هم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال ، المذكورون في قوله تعالى في أول سورة آل عمران
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
( 7 ) [ آل عمران : 7 ] وفي قوله تعالى في سورة إبراهيم
وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا