أول القلم :
ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
( 2 ) [ القلم : 2 ] وقوله في التكوير
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
( 22 ) [ التكوير : 22 ] وكقوله في نفي الصفتين الأخيرتين أعني الكهانة والشعر :
وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ( 41 ) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
( 42 ) [ الحاقة : 41 - 42 ] ، وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الشعراء وغيرها .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
( 30 ) أي ننتظر به حوادث الدهر ، حتى يحدث له منها الموت ، فالمنون : الدهر ، وريبه : حوادثه التي يطرأ فيها الهلاك والتغيير ، والتحقيق أن الدهر هو المراد في قول أبي ذؤيب الهذليّ :
أمن المنون وريبه تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع
لأن الضمير في قوله : وريبه يدل على أن المنون الدهر ، ومن ذلك أيضا قول الآخر :
تربص بها ريب المنون لعلها * تطلق يوما أو يموت حليلها
وقال بعض العلماء : المنون في الآية الموت ، وإطلاق المنون على الموت معروف في كلام العرب ، ومنه قول أبي الغول الطهويّ :
هم منعوا حمى الوقبي بضرب * يؤلف بين أشتات المنون
لأن الذين ماتوا عند ذلك الماء المسمى بالوقبا ، جاءوا من جهات مختلفة ، فجمع الموت بينهم في محل واحد ، ولو ماتوا في بلادهم لكانت مناياهم في بلاد شتى .
قوله تعالى :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 34 )
[ 34 ] .
قد قدمنا أن اللّه تحداهم بسورة واحدة من هذا القرآن في سورة البقرة في قوله :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ البقرة : 23 ] الآية . وفي سورة يونس في قوله تعالى
قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ يونس : 38 ] الآية .
وتحداهم في سورة هود بعشر سور منه في قوله :
قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ هود : 13 ] الآية .
وتحداهم في سورة الطور هذه به كله في قوله
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
الآية .
وبين في سورة بني إسرائيل أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك في قوله
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
[ الإسراء : 88 ] الآية .
وقد أطلق جل وعلا اسم الحديث على القرآن في قوله هنا :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
كما أطلق عليه ذلك في قوله
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً
[ الزمر : 23 ] الآية ، وقوله تعالى
ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
[ يوسف : 111 ] الآية .