تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
والمسوغ للإيجاز بحذف الفاعل في قوله تعالى :
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ
[ 69 ] هو أنه من المعلوم الذي لا نزاع فيه ، أنه لا يقدر على المجيء بهم إلا اللّه وحده جل وعلا . وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير الكسائي وهشام عن ابن عامر ، وجيء بكسر الجيم كسرة خالصة . وقرأه الكسائي وهشام عن ابن عامر بإشمام الكسرة الضم . وإنما كان الإشمام هنا جائزا ، والكسر جائزا ، لأنه لا يحصل في الآية البتة ، لبس بين المبني للفاعل ، والمبني للمفعول ، إذ من المعلوم أن قوله هنا : وجيء مبني للمفعول ولا يحتمل البناء للفاعل بوجه ، وما كان كذلك جاز فيه الكسر الخالص وإشمام الكسرة الضم كما أشار له في الخلاصة بقوله :
واكسر أو أشمم فا ثلاثي أعل * عينا وضم حاء كبوع فاحتمل
أما إذا أسند ذلك الفعل إلى ضمير الرفع المتصل ، فإن ذلك قد يؤدي إلى اللبس ، فيشتبه المبني للمفعول ، بالمبني للفاعل ، فيجب حينئذ اجتناب الشكل الذي يوجب اللبس ، والإتيان بما يزيل اللبس من شكل أو إشمام كما أشار له في الخلاصة بقوله :
وإن بشكل خيف لبس يجتنب
ومن أمثلة ذلك قول الشاعر ، وقد أنشده صاحب اللسان :
وإني على المولى وإن قل نفعه * دفوع إذا ما صمت غير صبور
فقوله صمت أصله صيمت بالبناء للمفعول فيجب الإشمام أو الضم لأن الكسر الخالص يجعله محتملا للبناء للفاعل كبعت وسرت . وقول جرير يرثي المرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة :
وأقول من جزع وقد فتنا به * ودموع عيني في الرداء غزار
للدافنين أخا المكارم والندا * للّه ما ضمنت بك الأحجار
أصله فوتنا بالبناء للمفعول فيجب الكسر أو الإشمام لأن الضم الخالص يجعله محتملا للبناء للفاعل ، كقلنا وقمنا . قوله تعالى :
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً
[ 71 ] . الزمر الأفواج المتفرقة ، واحده زمرة ، وقد عبر تعالى عنها هنا بالزمر ، وعبر عنها في الملك بالأفواج في قوله تعالى :
كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ
[ الملك : 8 ] الآية ، وعبر عنها في الأعراف بالأمم في قوله تعالى :
قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ
[ الأعراف : 38 ] الآية .