وقد بين هذا المعنى في أبياته المشهورة التي يقول فيها :
نهاية إقدام العقول عقال * وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا * وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * سوى أن جمعنا فيه قيل وقال
إلى آخر الأبيات .
وكذلك غالب أكابر الذين كانوا يخوضون في الفلسفة والكلام ، فإنه ينتهي بهم أمرهم إلى الحيرة وعدم الثقة بما كانوا يقررون .
وقد ذكر عن الحفيد ابن رشد وهو من أعلم الناس بالفلسفة أنه قال :
ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به ؟
وذكروا عن الشهرستاني أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم ، وقد قال في ذلك :
لعمري لقد طفت المعاهد كلها * وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر * على ذقن أو قارعا سن نادم
وأمثال هذا كثيرة .
فيا أيها المعاصرون المتعصبون لدعوى أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها خبيث لا يليق باللّه لاستلزامه التشبيه بصفات الخلق ، وأنها يجب نفيها وتأويلها بمعان ما أنزل اللّه بها من سلطان ، ولم يقلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ولا أحد من أصحابه ولا من التابعين .
فمن هو سلفكم في هذه الدعوى الباطلة المخالفة لإجماع السلف ؟
إن كنتم تزعمون أن الأشعري يقول مثل قولكم ، وأنه سلفكم في ذلك فهو بريء منكم ومن دعواكم .
وهو مصرح في كتبه التي صنفها بعد الرجوع عن الاعتزال أن القائلين بالتأويل هم المعتزلة ، وهم خصومه وهو خصمهم ، كما أوضحنا كلامه في الإباحة والمقالات .
وقد بينا أن أساطين القول بالتأويل قد اعترفوا بأن التأويل لا مستند له ، وأن الحق هو اتباع مذهب السلف كما أوضحنا ذلك عن أبي بكر الباقلاني ، وأبي المعالي الجويني ، وأبي حامد الغزالي ، وأبي عبد اللّه الفخر الرازي ، وغيرهم ممن ذكرنا .
فنوصيكم وأنفسنا بتقوى اللّه وألا تجادلوا في آيات اللّه بغير سلطان أتاكم ، واللّه جل وعلا يقول في كتابه :
إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
( 56 ) [ غافر : 56 ] .