قيل : معاذ اللّه بل هو مستو على العرش كما أخبر في كتابه ، فقال :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) [ طه : 5 ] وقال تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
[ فاطر :
10 ] وقال :
أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ
[ الملك : 16 ] .
ولو كان في كل مكان ، لكان في جوف الإنسان ، وفمه وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ، تعالى عن ذلك ، ولوجب أن يزيد بزيادة الأماكن إذ خلق منها ما لم يكن خلقه ، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان .
ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا وعن أيماننا وشمائلنا .
وهذا ما قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله ، إلى أن قال رحمه اللّه : ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه عليه كما قال الشاعر :
قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
لأن الاستيلاء هو القدرة والقهر ، واللّه تعالى لم يزل قادرا قاهرا عزيزا مقتدرا .
وقوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ الأعراف : 54 ، يونس : 3 ] يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن ، فيبطل ما قالوه .
فإن قال قائل : ففصلوا لي صفات ذاته من صفات أفعاله ، لأعرف ذلك .
قيل له : صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها .
وهي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان . ا ه محل الغرض منه بلفظه .
وقد نقلناه من نسخة هي أجود نسخة موجودة لكتاب التمهيد للباقلاني المذكور .
وترى تصريحه فيها بأن صفة الوجه واليد من صفات المعاني كالحياة والعلم والقدرة والإرادة ، كما هو قول أبي الحسن الأشعري الذي قدمنا إيضاحه .
واعلم أن إمام الحرمين ، أبا المعالي الجويني ، كان في زمانه من أعظم أئمة القائلين بالتأويل ، وقد قرر التأويل وانتصر له في كتابه الإرشاد .
ولكنه رجع عن ذلك في رسالته العقيدة النظامية فإنه قال فيها :
اختلف مسالك العلماء ، في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة ، وامتنع على أهل الحق فحواها وإجراؤها على موجب ما تبرزه أفهام أرباب اللسان منها .
فرأى بعضهم تأويلها ، والتزام هذا المنهج في آي الكتاب وفيما صح من سنن النبي صلى اللّه عليه وسلّم .