تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
وذلك واضح في أن غير اللّه لا يتصف بصفات التحليل ولا التحريم . ولما كان التشريع وجميع الأحكام ، شرعية كانت أو كونية قدرية ، من خصائص الربوبية . كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعا غير تشريع اللّه قد اتخذ ذلك المشرع ربا ، وأشركه مع اللّه . والآيات الدالة على هذا كثيرة ، وقد قدمناها مرارا وسنعيد منها ما فيه كفاية ، فمن ذلك وهو من أوضحه وأصرحه ، أنه في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقعت مناظرة بين حزب الرحمن ، وحزب الشيطان ، في حكم من أحكام التحريم والتحليل وحزب الرحمن يتبعون تشريع الرحمن ، في وحيه في تحريمه ، وحزب الشيطان يتبعون وحي الشيطان في تحليله . وقد حكم اللّه بينهما وأفتى فيما تنازعوا فيه فتوى سماوية قرآنية تتلى في سورة الأنعام . وذلك أن الشيطان لما أوحى إلى أوليائه فقال لهم في وحيه : سلوا محمدا عن الشاة تصبح ميتة من هو الذي قتلها ؟ فأجابوهم أن اللّه هو الذي قتلها . فقالوا : الميتة إذا ذبيحة اللّه ، وما ذبحه اللّه كيف تقولون إنه حرام ؟ مع أنكم تقولون إنما ذبحتموه بأيديكم حلال ، فأنتم إذا أحسن من اللّه وأحل ذبيحة . فأنزل اللّه بإجماع من يعتد به من أهل العلم قوله تعالى :
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
[ الأنعام : 121 ] يعني الميتة أي وإن زعم الكفار أن اللّه ذكاها بيده الكريمة بسكين من ذهب :
وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
[ الأنعام : 121 ] والضمير عائد إلى الأكل المفهوم من قوله :
وَلا تَأْكُلُوا
وقوله :
لَفِسْقٌ
أي خروج عن طاعة اللّه ، واتباع لتشريع الشيطان :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ
[ الأنعام : 121 ] . أي بقولهم : ما ذبحتموه حلال وما ذبحه اللّه حرام ، فأنتم إذا أحسن من اللّه ، وأحل تذكية ، ثم بين الفتوى السماوية من رب العالمين ، في الحكم بين الفريقين في قوله تعالى :
وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
( 121 ) [ الأنعام : 121 ] فهي فتوى سماوية من الخالق جل وعلا صرح فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك باللّه . وهذه الآية الكريمة مثل بها بعض علماء العربية لحذف اللام الموطئة للقسم ، والدليل على اللام الموطئة المحذوفة عدم اقتران جملة إنكم لمشركون بالفاء ، لأنه لو كان شرطا لم يسبقه قسم لقيل : فإنكم لمشركون على حد قوله في الخلاصة :
واقرن بفا حتما جوابا لو جعل * شرطا لأن أو غيرها لم ينجعل
وهو مذهب سيبويه ، وهو الصحيح ، وحذف الفاء في مثل ذلك من ضرورة الشعر . وما زعمه بعضهم من أنه يجوز مطلقا ، وأن ذلك دلت عليه آيتان من كتاب اللّه .