تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 988

مساهمون:

ص٩٨٨
السماوات والأرض فهي المنتهى في علومها ، أو لغير ذلك ، واللّه أعلم . فرأى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل في ذلك المكان ، الذي هو محل الأرواح العلوية الزاكية الجميلة الّتي لا يقربها شيطان ولا غيره ، من الأرواح الخبيثة . [ 15 ]
عِنْدَها
، أي : عند تلك الشجرة
جَنَّةُ الْمَأْوى
، أي : الجنة الجامعة لكل نعيم ، بحيث كانت محلّا تنتهي إليه الأماني ، وترغب فيه الإرادات ، وتأوي إليها الرغبات ، وهذا دليل على أن الجنة في أعلى الأماكن ، وفوق السماء السابعة . [ 16 ]
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى
( 16 ) ، أي : يغشاها من أمر اللّه ، شيء عظيم لا يعلم وصفه إلا اللّه عزّ وجل . [ 17 ]
ما زاغَ الْبَصَرُ
، أي : ما زاغ يمنة ولا يسرة ، عن مقصوده
وَما طَغى
، أي : وما تجاوز البصر ، وهذا كمال الأدب منه صلوات اللّه وسلامه عليه ، أن قام مقاما ، أقامه اللّه فيه ، ولم يقصر عنه ، ولا تجاوزه ، ولا حاد عنه . وهذا أكمل ما يكون من الأدب العظيم ، الذي فاق فيه الأولين والآخرين ، فإن الإخلال يكون بأحد هذه الأمور : إما أن لا يقوم العبد بما أمر به ، أو يقوم به على وجه التفريط ، أو على وجه الإفراط ، أو على وجه الحيدة يمينا وشمالا ، وهذه الأمور كلها منتفية عنه صلّى اللّه عليه وسلّم . [ 18 ]
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى
( 18 ) من الجنة والنار ، وغير ذلك من الآيات الّتي رآها صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسري به . [ 19 - 20 ] لما ذكر تعالى ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من الهدى ، ودين الحقّ ، والأمر بعبادة اللّه ، وتوحيده ، ذكر بطلان ما عليه المشركون من عبادة من ليس له من أوصاف الكمال شيء ، ولا تنفع ولا تضر ، وإنما هي أسماء فارغة من المعنى ، سماها المشركون ، هم وآباؤهم الجهال الضلال ، ابتدعوا لها من الأسماء الباطلة الّتي لا تستحقها ، فخدعوا بها أنفسهم وغيرهم من الضلال . فالآلهة الّتي بهذه الحال ، لا تستحق مثقال ذرة من العبادة ، وهذه الأنداد الّتي سموها بهذه الأسماء ، زعموا أنها مشتقة من أوصاف هي متصفة بها ، فسموا « اللات » من « الإله » المستحق للعبادة ، و « العزى » من « العزيز » ، و « مناة » من « المنان » إلحادا في أسماء اللّه وتجريا على الشرك به ، وهذه أسماء متجردة من المعاني . فكل من له أدنى مسكة من عقل ، يعلم بطلان هذه الأوصاف فيها . [ 21 ]
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى
( 21 ) أي : أتجعلون للّه البنات بزعمكم ، ولكم البنون ؟ [ 22 ]
تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
( 22 ) ، أي : ظالمة جائرة ، وأيّ ظلم أعظم من قسمة تقتضي تفضيل العبد المخلوق على الخالق ؟ تعالى اللّه عن قولهم علوّا كبيرا . [ 23 ] وقوله :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
، أي : من حجة وبرهان ، على صحة مذهبكم ، وكلّ أمر ، ما أنزل اللّه فيه من سلطان ، فهو باطل فاسد ، لا يتخذ دينا ، وهم - في أنفسهم - ليسوا بمتبعين لبرهان ، يتيقنون به ما ذهبوا إليه . وإنما دلهم على قولهم ، الظن الفاسد ، والجهل الكاسد ، وما تهواه أنفسهم من الشرك والبدع الموافقة لأهويتهم ، والحال أنه لا موجب لهم يقتضي ذلك ، إلا اتباعهم للظن ، من فقد العلم والهدى ، ولهذا قال تعالى :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى
، أي : الذي يرشدهم في باب التوحيد والنبوة ، وجميع المطالب الّتي يحتاج إليها العباد . فكلها قد بينها اللّه أكمل بيان ، وأوضحه ، وأدله على المقصود ، وأقام عليه من الأدلة والبراهين ، ما يوجب لهم ولغيرهم اتباعه ، فلم يبق لأحد حجة ، ولا عذر من بعد البيان والبرهان . وإذا كان ما هم عليه ، غايته اتباع الظن ، ونهايته الشقاء الأبدي والعذاب السرمدي ، فالبقاء على هذه الحال ، من أسفه السفه ، وأظلم الظلم ، ومع ذلك يتمنون الأماني ، ويغترون بأنفسهم . [ 24 - 25 ] ولهذا أنكر تعالى على من زعم ، أنه يحصل له ما تمنى ، وهو كاذب في ذلك ، فقال :
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى ( 24 ) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى
( 25 ) فيعطي من يشاء ، ويمنع من يشاء ، فليس الأمر تابعا لأمانيهم ، ولا موافقا لأهوائهم . [ 26 ] يقول تعالى منكرا على من عبد غيره من الملائكة وغيرهم ، وزعم أنها تنفعه وتشفع له عند اللّه يوم القيامة :
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ
من الملائكة المقربين ، وكرام الملائكة .
لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً
، أي : لا تفيد من ادعاها وتعلق بها ورجاها .
إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى
، أي : لا بد من اجتماع الشرطين : إذنه تعالى في