تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 987

مساهمون:

ص٩٨٧
وسوء القصد . [ 2 ] وقال :
صاحِبُكُمْ
لينبههم على ما يعرفونه منه ، من الصدق والهداية ، وأنه لا يخفى عليهم أمره . [ 3 ]
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
( 3 ) ، أي : ليس نطقه صادرا عن هوى نفسه . [ 4 ]
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
( 4 ) ، أي : لا يتبع إلا ما أوحي إليه ، من الهدى والتقوى ، في نفسه ، وفي غيره . ودل هذا على أن السنة وحي من اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما قال تعالى :
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
، وأنه معصوم فيما يخبر به عن اللّه تعالى وعن شرعه ، لأن كلامه لا يصدر عن هوى ، وإنما يصدر عن وحي يوحى . [ 5 ] ثمّ ذكر المعلم للرسول ، وهو جبريل عليه السّلام ، أفضل الملائكة الكرام وأقواهم وأكملهم ، فقال :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
( 5 ) ، أي : نزل بالوحي على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل عليه السّلام ، شديد القوى الظاهرة والباطنة . قوي على تنفيذ ما أمره اللّه بتنفيذه ، قوي على إيصال الوحي إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومنعه من اختلاس الشياطين له ، أو إدخالهم فيه ما ليس منه . وهذا من حفظ اللّه لوحيه ، أن أرسله مع هذا الرسول القوي الأمين . [ 6 ]
ذُو مِرَّةٍ
، أي : قوة ، وخلق حسن ، وجمال ظاهر وباطن .
فَاسْتَوى
جبريل عليه السّلام . [ 7 ]
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى
( 7 ) ، أي : أفق السماء الذي هو أعلى من الأرض ، فهو من الأرواح العلوية ، الّتي لا تنالها الشياطين ولا يتمكنون من الوصول إليها . [ 8 ]
ثُمَّ دَنا
جبريل من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لإيصال الوحي إليه .
فَتَدَلَّى
عليه من الأفق الأعلى . [ 9 ]
فَكانَ
في قربه منه
قابَ قَوْسَيْنِ
، أي : قدر قوسين ، والقوس معروف ،
أَوْ أَدْنى
، أي : أقرب من القوسين ، وهذا يدل على كمال مباشرته للرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، بالرسالة ، وأنه لا واسطة بينه وبين جبريل عليه السّلام . [ 10 ]
فَأَوْحى
اللّه بواسطة جبريل عليه السّلام
إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
، أي : الذي أوحاه إليه من الشرع العظيم ، والنبأ المستقيم . [ 11 ]
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
( 11 ) ، أي : اتفق فؤاد الرسل صلّى اللّه عليه وسلّم ورؤيته على الوحي الذي أوحاه اللّه إليه ، وتواطأ عليه سمعه وبصره وقلبه ، وهذا دليل على كمال الوحي الذي أوحاه اللّه إليه ، وأنه تلقاه منه تلقيا لا شك فيه ولا شبهة ولا ريب ، فلم يكذب فؤاده ، ما رأى بصره ، ولم يشك في ذلك . ويحتمل أن المراد بذلك ما رأى صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسري به ، من آيات اللّه العظيمة ، وأنه تيقنه حقا ، بقلبه ورؤيته ، وهذا هو الصحيح في تأويل الآية الكريمة . وقيل : إن المراد بذلك رؤية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، لربه ليلة الإسراء ، وتكليمه إياه ، وهذا اختيار كثير من العلماء رحمهم اللّه ، فأثبتوا بهذا ، رؤية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لربه في الدنيا . ولكن الصحيح القول الأول ، وأن المراد به جبريل عليه السّلام ، كما يدل عليه السياق ، وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم رأى جبريل في صورته الأصلية ، الّتي هو عليها مرتين : مرة في الأفق الأعلى ، تحت السماء الدنيا كما تقدم ، والمرة الثانية فوق السماء السابعة ليلة أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . [ 13 ] ولهذا قال :
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى
( 13 ) ، أي : رأى محمد جبريل مرة أخرى ، نازلا إليه . [ 14 ]
عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
( 14 ) وهي شجرة عظيمة جدا ، فوق السماء السابعة ، سميت سدرة المنتهى ، لأنه ينتهي إليها ما يعرج من الأرض ، وينزل إليها ما ينزل من اللّه ، من الوحي وغيره . أو لانتهاء علم المخلوقات إليها ، أي : لكونها فوق
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 987 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي