تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 991

مساهمون:

ص٩٩١
عن أحد ذنبا .
وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى
( 40 ) في الآخرة فيميز حسنه من سيئه .
ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
( 41 ) ، أي : المستكمل لجميع العمل : الحسن الخالص بالحسنى ، والسيّئ الخالص بالسّوأى ، والمشوب بحسبه . جزاء تقرّ بعد له وإحسانه الخليقة كلها ، وتحمد اللّه عليه ، حتى إن أهل النار ليدخلون النار ، وإن قلوبهم مملوءة من حمد ربهم ، والإقرار له بكمال الحكمة ومقت أنفسهم ، وأنهم الذين أوصلوا أنفسهم ، وأوردوها شر الموارد . [ 39 ] وقد استدل بقوله :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
( 39 ) ، فوصول سعي غيره إليه ، مناف لذلك ، وفي هذا الاستدلال نظر ، فإن الآية إنما تدل على أنه ليس للإنسان إلا ما سعى بنفسه ، وهذا حق لا خلاف فيه ، وليس فيها ما يدل على أنه لا ينتفع بسعي غيره ، إذا أهداه ذلك الغير إليه ، كما أنه ليس للإنسان من المال ، إلا ما هو في ملكه وتحت يده ، ولا يلزم من ذلك ، أن لا يملك ما وهبه الغير له ، من ماله الذي يملكه . [ 42 ] وقوله :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
( 42 ) ، أي : إليه تنتهي الأمور ، وإليه تصير الأشياء والخلائق ، بالبعث والنشور ، وإلى اللّه المنتهى في كلّ حال ، فإليه ينتهي العلم ، والحكمة ، والرحمة ، وسائر الكمالات . [ 43 ]
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى
( 43 ) ، أي : هو الذي أوجد أسباب الضحك والبكاء ، وهو الخير والشر ، والفرح والسرور ، والهم والحزن ، وهو سبحانه له الحكمة البالغة في ذلك . [ 44 ]
وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا
( 44 ) ، أي : هو المنفرد بالإيجاد والإعدام ، والذي أوجد الخلق ، وأمرهم ونهاهم ، سيعيدهم بعد موتهم ، ويجازيهم بتلك الأعمال الّتي عملوها في دار الدنيا . [ 45 ]
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ
فسرهما بقوله :
الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
، وهذا اسم جنس شامل لجميع الحيوانات ، ناطقها وبهيمها ، فهو المنفرد بخلقها . [ 46 ]
مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى
( 46 ) وهذا من أعظم الأدلة على كمال قدرته وانفراده بالعزة العظيمة ، حيث أوجد تلك الحيوانات ، صغيرها وكبيرها من نطفة ضعيفة من ماء مهين ، ثمّ نماها وكملها ، حتى بلغت ما بلغت ، ثمّ صار الآدمي منها ، إما إلى أرفع المقامات في أعلى عليين ، وإما إلى أدنى الحالات في أسفل سافلين . [ 47 ] ولهذا استدل بالبداءة على الإعادة ، فقال :
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى
( 47 ) فيعيد العباد من الأجداث ، ويجمعهم ليوم الميقات ، ويجازيهم على الحسنات والسيئات . [ 48 ]
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى
( 48 ) ، أي : أغنى العباد بتيسير أمر معاشهم من التجارات ، وأنواع المكاسب ، من الحرف وغيرها ، وأقنى ، أي : أفاد عباده من الأموال ، بجميع أنواعها ، ما يصيرون به مقتنين لها ، ومالكين لكثير من الأعيان ، وهذا من نعمه تعالى أن أخبرهم أن جميع النعم منه ، وهذا يوجب على العباد أن يشكروه ، ويعبدوه وحده لا شريك له . [ 49 ]
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى
( 49 ) وهو النجم المعروف بالشعرى العبور ، المسماة بالمرزم ، وخصها اللّه بالذكر ، وإن كان هو رب كلّ شيء ، لأن هذا النجم مما عبد في الجاهلية ، فأخبر تعالى أن جنس ما يعبد المشركون ، مربوب مدبر مخلوق ، فكيف يتخذ مع اللّه آلهة . [ 50 ]
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى
( 50 ) وهم قوم هود عليه السّلام ، حين كذبوا هودا ، فأهلكهم اللّه بريح صرصر عاتية . [ 51 ]
وَثَمُودَ
قوم صالح عليه السّلام ، أرسله اللّه إلى ثمود فكذبوه ، فبعث اللّه إليهم الناقة آية ، فعقروها وكذبوه ، فأهلكهم اللّه .
فَما أَبْقى
منهم أحدا ، بل أبادهم عن آخرهم . [ 52 ]
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى
( 52 ) من هؤلاء الأمم ، فأهلكهم اللّه وأغرقهم . [ 53 ]
وَالْمُؤْتَفِكَةَ
وهم قوم لوط عليه السّلام
أَهْوى
، أي : أصابهم اللّه بعذاب ، ما عذب به أحدا من العالمين ، قلب أسفل ديارهم أعلاها ، وأمطر عليهم حجارة من سجيل ، ولهذا قال : [ 54 ]
فَغَشَّاها ما غَشَّى
( 54 ) ، أي : غشيها من العذاب الأليم الوخيم ، ما غشى ، أي : شيء عظيم ، لا يمكن وصفه . [ 55 ]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى
( 55 ) ، أي : فبأي نعم اللّه وفضله تشك أيها الإنسان ؟ فإن نعم اللّه ظاهرة لا تقبل الشك بوجه من الوجوه ، فما بالعباد من نعمة ، إلا منه تعالى ، ولا يدفع النقم إلا هو . [ 56 ]
هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى
( 56 ) أي : هذا الرسول