تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 979

مساهمون:

ص٩٧٩
[ 46 ]
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
( 46 ) أي : وكذلك ما فعل اللّه بقوم نوح ، حين كذبوا نوحا عليه السّلام ، وفسقوا عن أمر اللّه . فأرسل عليهم السماء والأرض بماء منهمر ، فأغرقهم عن آخرهم ، ولم يبق من الكافرين ديارا ، وهذه عادة اللّه وسنته ، فيمن عصاه . [ 47 ] يقول تعالى مبينا لقدرته العظيمة :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها
، أي : خلقناها وأتقنّاها ، وجعلناها سقفا للأرض وما عليها .
بِأَيْدٍ
، أي : بقوة وقدرة عظيمة
وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
لأرجائها وأنحائها . وإنا لموسعون أيضا على عبادنا بالرزق الذي ما ترك دابة في مهامه القفار ، ولجج البحار ، وأقطار العالم العلوي والسفلي ، إلا وأوصل إليها من الرزق ، ما يكفيها ، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها . فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات ، وتبارك الذي وسعت رحمته ، جميع البريات . [ 48 ]
وَالْأَرْضَ فَرَشْناها
، أي : جعلناها فراشا للخلق ، يتمكنون فيها من كلّ ما تتعلق به مصالحهم ، من مساكن وغراس وزرع وحرث وجلوس ، وسلوك للسبل الموصلة إلى مقاصدهم ومآربهم . ولما كان الفراش قد يكون صالحا للانتفاع من كلّ وجه ، وقد يكون من وجه دون وجه ، أخبر تعالى أنه مهدها أحسن مهاد ، على أكمل الوجوه وأحسنها ، وأثنى على نفسه بذلك ، فقال :
فَنِعْمَ الْماهِدُونَ
الذي مهد لعباده ما اقتضته حكمته ورحمته . [ 49 ]
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ
، أي : صنفين ، ذكر وأنثى ، من كلّ نوع من أنواع الحيوانات .
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
لنعم اللّه الّتي أنعم بها عليكم في تقدير ذلك ، وحكمته حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع الحيوانات كلها ، لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها ، فيحصل من ذلك ما يحصل من المنافع . [ 50 ] فلما دعا العباد إلى النظر إلى آياته الموجبة لخشيته ، والإنابة إليه ، أمر بما هو المقصود من ذلك ، وهو الفرار إليه ، أي : الفرار مما يكرهه اللّه ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه ، ظاهرا وباطنا ، فرار من الجهل إلى العلم ، ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن المعصية إلى الطاعة ، ومن الغفلة إلى الذكر . فمن استكمل هذه الأمور ، فقد استكمل الدين كله ، وزال عنه المرهوب ، وحصل له غاية المراد والمطلوب . وسمى اللّه الرجوع إليه فرارا ، لأن في الرجوع إلى غيره أنواع المخاوف والمكاره ، وفي الرجوع إليه أنواع المحاب والأمن والسرور والسعادة والفوز . فيفرّ العبد من قضائه وقدره إلى قضائه وقدره ، وكلّ من خفت منه فررت منه إلى اللّه تعالى ، فإنه بحسب الخوف منه ، يكون الفرار إليه .
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
، أي : منذر لكم من عذاب اللّه ، ومخوف بيّن النذارة . [ 51 ]
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
، هذا من الفرار إلى اللّه ، بل هذا أصل الفرار إليه أن يفر العبد من اتخاذ آلهة غير اللّه من الأوثان والأنداد والقبور ، وغيرها ، مما عبد من دون اللّه ، ويخلص لربه العبادة والخوف ، والرجاء والدعاء ، والإنابة . [ 52 ] يقول اللّه - مسليا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم - عن تكذيب المشركين باللّه ، المكذبين له ، القائلين فيه من الأقوال الشنيعة ، ما هو منزه عنه ، وأن هذه الأقوال ما زالت دأبا وعادة للمجرمين المكذبين للرسل ، فما أرسل اللّه من رسول إلا رماه قومه بالسحر أو الجنون . [ 53 ] يقول اللّه تعالى : هذه الأقوال الّتي صدرت منهم - الأولين والآخرين - هل هي أقوال
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 979 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي