تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
فإن أمكن الجمع ، كان أحسن من ادعاء النسخ ، الذي لم يدل عليه دليل صحيح . [ 181 ] ولما كان الموصي قد يمتنع من الوصية ، لما يتوهمه أن من بعده ، قد يبدل ما وصى به ، قال تعالى :
فَمَنْ بَدَّلَهُ
، أي : الإيصاء للمذكورين أو غيرهم
بَعْدَ ما سَمِعَهُ
، أي : بعد ما عقله ، وعرف طرقه وتنفيذه ،
فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ
، وإلا فالموصي وقع أجره على اللّه ، وإنما الإثم على المبدل المغيّر .
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
يسمع سائر الأصوات ، ومنه سماعه لمقال الموصي ووصيته ، فينبغي له أن يراقب من يسمعه ويراه ، وأن لا يجور في وصيته ،
عَلِيمٌ
بنيته ، وعليم بعمل الموصى إليه ، فإذا اجتهد الموصي ، وعلم اللّه من نيته ذلك ، أثابه ولو أخطأ ، وفيه التحذير للموصى إليه من التبديل ، فإن اللّه عليم به ، مطلع على فعله ، فليحذر من اللّه ، هذا حكم الوصية العادلة . [ 182 ] وأما الوصية التي فيها حيف وجنف ، وإثم ، فينبغي لمن حضر الموصي وقت الوصية بها ، أن ينصحه بما هو الأحسن والأعدل ، وأن ينهاه عن الجور ، والجنف : وهو الميل بها عن خطأ ، من غير تعمد ، والإثم : وهو التعمد لذلك . فإن لم يفعل ذلك ، فينبغي له أن يصلح بين الموصى إليهم ، ويتوصل إلى العدل بينهم على وجه التراضي والمصالحة ، ووعظهم بتبرئة ذمة ميتهم ، فهذا قد فعل معروفا عظيما ، وليس عليهم ، كما على مبدل الوصية الجائرة ، ولهذا قال :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
، أي : يغفر جميع الزلات ، ويصفح عن التبعات لمن تاب إليه ، ومنه مغفرته لمن غضّ من نفسه ، وترك بعض حقه لأخيه ، لأن من سامح ، سامحه اللّه ، غفور لميتهم الجائر في وصيته ، إذا احتسبوا بمسامحة بعضهم بعضا لأجل براءة ذمته ، رحيم بعباده ، حيث شرع لهم كل أمر يتراحمون به ويتعاطفون . فدلّت هذه الآيات ، على الحث على الوصية ، وعلى بيان من هي له ، وعلى وعيد المبدل للوصية العادلة ، والترغيب في الإصلاح في الوصية الجائرة . [ 183 ] يخبر تعالى ، بما منّ اللّه به على عباده ، بأنه فرض عليهم الصيام ، كما فرضه على الأمم السابقة ، لأنه من الشرائع والأوامر ، التي هي مصلحة للخلق في كل زمان . وفيه تنشيط لهذه الأمة ، بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال ، والمسارعة إلى صالح الخصال ، وأنه ليس من الأمور الثقيلة ، التي اختصصتم بها . ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام ، فقال :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
، فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى ، لأن فيه امتثال أمر اللّه ، واجتناب نهيه . فمما اشتمل عليه من التقوى ، أن الصائم يترك ما حرم اللّه عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها ، التي تميل إليها نفسه ، متقربا بذلك إلى اللّه ، راجيا بتركها ثوابه ، فهذا من التقوى . ومنها : أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة اللّه تعالى ، فيترك ما تهوى نفسه ، مع قدرته عليه ، لعلمه باطلاع اللّه عليه ، ومنها : أن الصيام يضيق مجاري الشيطان ، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فبالصيام يضعف نفوذه ، وتقل منه المعاصي ، ومنها : أن الصائم في الغالب ، تكثر طاعته ، والطاعات من خصال التقوى ، ومنها : أن الغني إذا ذاق ألم الجوع ، أوجب له ذلك مواساة الفقراء المعدمين ، وهذا من خصال التقوى . [ 184 ] ولما ذكر أنه فرض عليهم الصيام ، أخبر أنه أيام معدودات ، أي : قليلة في غاية السهولة . ثم سهل تسهيلا آخر ، فقال :
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
. وذلك للمشقة في الغالب ، رخص اللّه لهما في الفطر . ولما كان لا بد من حصول مصلحة الصيام لكل مؤمن ، أمرهما أن يقضياه في أيام أخر إذا زال المرض ، وانقضى السفر ، وحصلت الراحة . وفي قوله :
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ
فيه دليل على أنه يقضي عدد أيام رمضان ، كاملا كان أو ناقصا ، وعلى أنه يجوز أن يقضي أياما قصيرة باردة ، عن أياما قصيرة باردة ، عن أيام طويلة حارة وبالعكس . وقوله :
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
، أي : يطيقون الصيام
فِدْيَةٌ
عن كل يوم يفطرونه
طَعامُ مِسْكِينٍ
، وهذا في ابتداء فرض الصيام ، لما كانوا غير معتادين للصيام ، وكان فرضه حتما فيه مشقة عليهم ، درجهم الرب الحكيم بأسهل طريق ، وخيّر المطيق للصوم ، بين أن يصوم ، وهو أفضل أو يطعم ، ولهذا قال :
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ
. ثم بعد
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 92 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي