تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
عادٍ
، أي : متجاوز الحد في تناول ما أبيح له ، اضطرار ،
فَلا إِثْمَ
، أي : جناح وذنب
عَلَيْهِ
. وإذا ارتفع الإثم رجع الأمر إلى ما كان عليه ، والإنسان بهذه الحالة مأمور بالأكل ، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة ، وأن يقتل نفسه . فيجب إذا عليه الأكل ، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات ، فيكون قاتلا لنفسه ، وهذه الإباحة والتوسعة من رحمته تعالى بعباده ، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة ، فقال :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
. ولما كان الحل مشروطا بهذين الشرطين ، وكان الإنسان في هذه الحالة ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها - أخبر ، أنه غفور ، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال ، خصوصا ، وقد غلبته الضرورة ، وأذهبت حواسه المشقة . وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة : « الضرورات تبيح المحظورات » . فكل محظور اضطر إليه الإنسان ، فقد أباحه له الملك الرحمن ، فله الحمد والشكر أولا وآخرا ، ظاهرا وباطنا . [ 174 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
، هذا وعيد شديد لمن كتم ما أنزل اللّه على رسله ، من العلم الذي أخذ اللّه الميثاق على أهله ، أن يبينوه للناس ولا يكتموه ، فمن تعوض عنه بالحطام الدنيوي ، ونبذ أمر اللّه ، فأولئك :
ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ
، لأن هذا الثمن الذي اكتسبوه ، إنما حصل لهم بأقبح المكاسب ، وأعظم المحرمات ، فكان جزاؤهم من جنس عملهم .
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
، بل قد سخط عليهم وأعرض عنهم ، فهذا أعظم عليهم من عذاب النار .
وَلا يُزَكِّيهِمْ
، أي : لا يطهرهم من الأخلاق الرذيلة ، وليس لهم أعمال تصلح للمدح والرضا والجزاء عليها ، وإنما لم يزكهم لأنهم فعلوا أسباب عدم التزكية التي أعظم أسبابها ، العمل بكتاب اللّه ، والاهتداء به ، والدعوة إليه . [ 175 ] فهؤلاء نبذوا كتاب اللّه ، وأعرضوا عنه ، واختاروا الضلالة على الهدى ، والعذاب على المغفرة ، فهؤلاء لا يصلح لهم إلا النار ، فكيف يصبرون عليها ، وأنى لهم الجلد عليها ؟ [ 176 ]
ذلِكَ
المذكور ، وهو مجازاته بالعدل ، ومنعه أسباب الهداية ، ممن أباها واختار سواها .
بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
ومن الحق ، مجازاة المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته . وأيضا ففي قوله :
نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
ما يدل على أن اللّه أنزله لهداية خلقه ، وتبيين الحق من الباطل ، والهدى من الضلال ، فمن صرفه عن مقصوده ، فهو حقيق بأن يجازى بأعظم العقوبة .
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
، أي : وإن الذين اختلفوا في الكتاب ، فآمنوا ببعضه ، وكفروا ببعضه ، والذين حرفوه وصرفوه على أهوائهم ومراداتهم
لَفِي شِقاقٍ
، أي : محادة ،
بَعِيدٍ
من الحق لأنهم قد خالفوا الكتاب الذي جاء بالحق الموجب للاتفاق وعدم التناقض ، فمرج أمرهم ، وكثر شقاقهم ، وترتب على ذلك افتراقهم ، بخلاف أهل الكتاب الذين آمنوا به ، وحكموه في كل شيء ، فإنهم اتفقوا وارتفقوا بالمحبة والاجتماع عليه . وقد تضمنت هذه الآيات ، الوعيد للكاتمين لما أنزل اللّه ، المؤثرين عليه ، - عرض الدنيا - بالعذاب والسخط ، وأن اللّه لا يطهرهم بالتوفيق ، ولا بالمغفرة ، وذكر السبب في ذلك وهو إيثارهم الضلالة على الهدى ، فترتب على ذلك ، اختيار العذاب على المغفرة . ثم توجه لهم بشدة صبرهم على النار ، لعملهم بالأسباب التي يعلمون أنها موصلة إليها ، وأن الكتاب مشتمل على الحق الموجب للاتفاق عليه ، وعدم الافتراق ، وأن كل من خالفه ، فهو في غاية البعد عن الحق ، والمنازعة والمخاصمة ، واللّه أعلم . [ 177 ] يقول تعالى :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
، أي : ليس هذا هو البر المقصود من العباد ، فيكون كثرة البحث فيه والجدال ، من العناء الذي ليس تحته إلا الشقاق والخلاف ، وهذا نظير قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » ونحو ذلك .
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
، أي : بأنه إله واحد ، موصوف بكل صفة كمال ، منزه عن كل نقص .
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
وهو كل ما أخبر اللّه به في كتابه ، أو أخبر به الرسول ، مما يكون بعد الموت .
وَالْمَلائِكَةِ
الذين وصفهم اللّه لنا في كتابه ، ووصفهم رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم