لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ
.
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
. فالمخلوق ليس ندا للّه لأن اللّه هو الخالق ، وغيره مخلوق ، والرب هو الرازق ، ومن عداه مرزوق ، واللّه هو الغني وأنتم الفقراء ، وهو الكامل من كل الوجوه ، والعبيد ناقصون من جميع الوجوه ، واللّه هو النافع الضار ، والمخلوق ليس له من النفع والضر والأمر شيء . فعلم علما يقينا ، بطلان قول من اتخذ من دون اللّه آلهة وأندادا ، سواء كان ملكا أو نبيا ، أو صالحا ، صنما أو غير ذلك ، وأن اللّه هو المستحق للمحبة الكاملة ، والذل التام . فلهذا مدح اللّه المؤمنين بقوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
، أي : من أهل الأنداد لأندادهم ، لأنهم أخلصوا محبتهم له ، وهؤلاء أشركوا بها ، ولأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة ، الذي محبته هي عين صلاح العبد وسعادته وفوزه ، والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب شيئا ، ومحبته عين شقاء العبد وفساده ، وتشتت أمره . فلهذا توعدهم اللّه بقوله :
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
باتخاذ الأنداد والانقياد لغير رب العباد وظلموا الخلق بصدهم عن سبيل اللّه ، وسعيهم فيما يضرهم .
إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ
، أي : يوم القيامة عيانا بأبصارهم ،
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ
، أي : لعلموا علما جازما ، أن القوة والقدرة للّه كلها ، وأن أندادهم ليس فيها من القوة شيء . فتبين لهم في ذلك اليوم ضعفها وعجزها ، لا كما اشتبه عليهم في الدنيا ، وظنوا أن لها من الأمر شيئا ، وأنها تقربهم إليه وتوصلهم إليه ، فخاب ظنهم ، وبطل سعيهم ، وحق عليهم شدة العذاب ، ولم تدفع عنهم أندادهم شيئا ، ولم تغن عنهم مثقال ذرة من النفع ، بل يحصل لهم الضرر منها ، من حيث ظنوا نفعها . وتبرأ المتبعون من التابعين ، وتقطعت بينهم الوصل ، التي كانت في الدنيا ، لأنها كانت لغير اللّه ، وعلى غير أمر اللّه ، ومتعلقة بالباطل الذي لا حقيقة له ، فاضمحلت أعمالهم ، وتلاشت أحوالهم ، وتبين لهم أنهم كانوا كاذبين ، وأن أعمالهم التي يؤملون نفعها وحصول نتيجتها ، انقلبت عليهم حسرة وندامة ، وأنهم خالدون في النار لا يخرجون منها أبدا ، فهل بعد هذا الخسران خسران ؟ ذلك بأنهم اتبعوا الباطل ، ورجوا غير مرجو ، وتعلقوا بغير متعلق ، فبطلت الأعمال ببطلان متعلقها . ولما بطلت ، وقعت الحسرة بما فاتهم من الأمل فيها ، فضرتهم غاية الضرر ، وهذا بخلاف من تعلق باللّه الملك الحق المبين ، وأخلص العمل لوجهه ، ورجا نفعه ، فهذا قد وضع الحق في موضعه ، فكانت أعماله حقا ، لتعلقها بالحق ، ففاز بنتيجة عمله ، ووجد جزاءه عند ربه ، غير منقطع كما قال تعالى :
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ( 1 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ ( 2 ) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ
( 3 ) .
[ 167 ] وحينئذ يتمنى التابعون أن يردوا إلى الدنيا فيتبرءوا من متبوعيهم ، بأن يتركوا الشرك باللّه ، ويقبلوا على إخلاص العمل للّه ، وهيهات ، فات الأمر ، وليس الوقت وقت إمهال وإنظار ، ومع هذا ، فهم كذبة ، فلو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ، وإنما هو قول يقولونه ، وأماني يتمنونها ، حنقا وغيظا على المتبوعين لما تبرءوا منهم والذنب ذنبهم ،