تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 861

مساهمون:

ص٨٦١
قرها
يَصْلَوْنَها
أي : يعذبون فيها عذابا ، يحيط بهم من كلّ وجه ، لهم من فوقهم ظلل من النار ، ومن تحتهم ظلل . [ 57 ]
فَبِئْسَ الْمِهادُ
المعد لهم مسكنا ومستقرا
هذا
المهاد ، وهذا العذاب الشديد ، والخزي ، والفضيحة ، والنكال .
فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ
ماء حار ، قد اشتد حره ، يشربونه ، فتقطّع أمعاؤهم .
وَغَسَّاقٌ
وهو أكره ما يكون من الشراب ، من قيح وصديد ، مر المذاق ، كريه الرائحة . [ 58 ]
وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ
أي : من نوعه
أَزْواجٌ
أي : عدة أصناف ، من أصناف العذاب ، يعذبون بها ، ويخزون بها . [ 59 ] عند تواردهم على النار ، يشتم بعضهم بعضا ، ويقول بعضهم لبعض :
هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ
النار
لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ
. [ 60 ]
قالُوا
أي : الفوج المقبل المقتحم :
بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ
أي : العذاب
لَنا
بدعوتكم لنا ، وفتنتكم ، وإضلالكم ، وتسببكم .
فَبِئْسَ الْقَرارُ
قرار الجميع ، قرار السوء والشر . [ 61 ] ثمّ دعوا على المغوين لهم ، و
قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ
( 61 ) . وقال في الآية الأخرى :
قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ
. [ 62 ]
وَقالُوا
وهم في النار
ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ
أي : كنّا نزعم أنهم من الأشرار ، المستحقين لعذاب النار ، وهم المؤمنون تفقدهم أهل النار ، قبّحهم اللّه ، هل يرونهم في النار ؟ [ 63 ]
أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ
( 63 ) أي : عدم رؤيتنا لهم ، دائر بين أمرين : إما أننا غالطون في عدنا إياهم من الأشرار ، بل هم من الأخيار ، وإنّما كلامنا لهم ، من باب السخرية والاستهزاء بهم . وهذا هو الواقع ، كما قال تعالى لأهل النار :
إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ
( 110 ) . والأمر الثاني : أنهم لعلهم زاغت أبصارنا عن رؤيتهم معنا في العذاب ، وإلا فهم معنا معذبون ولكن تجاوزتهم أبصارنا . فيحتمل أن هذا الذي في قلوبهم ، فتكون العقائد الّتي اعتقدوها في الدنيا ، وكثرة ما حكموا لأهل الإيمان بالنار ، تمكنت من قلوبهم ، وصارت صبغة لها ، فدخلوا النار وهم بهذه الحالة ، فقالوا ما قالوا . ويحتمل أن كلامهم هذا ، كلام تمويه ، كما موهوا في الدنيا ، موهوا حتى في النار . ولهذا يقول أهل الأعراف لأهل النار
أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
( 49 ) . [ 64 ] قال تعالى مؤكدا ما أخبر به ، وهو أصدق القائلين :
إِنَّ ذلِكَ
الذي ذكرت لكم
لَحَقٌّ
ما فيه شك ولا مرية
تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
أي : « هو تخاصم ونزاع أهل النار بعضهم مع بعض » . [ 65 ]
قُلْ
يا أيها الرسول لهؤلاء المكذبين ، إن طلبوا منك ما ليس لك ولا بيدك :
إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ
هذا نهاية ما عندي ، وأما الأمر فلله تعالى ، ولكني آمركم ، وأنهاكم ، وأحثكم على الخير ، وأزجركم عن الشر
فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
.
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ
أي : ما أحد يؤله ويعبد بحق ، إلا اللّه
الْواحِدُ الْقَهَّارُ
. هذا تقرير لألوهيته ، بهذا البرهان القاطع ، وهو وحدته تعالى ، وقهره لكل شيء . فإن القهر ملازم للوحدة ، فلا يكون اثنان قهاران ، متساويين في قهرهما أبدا . فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد ، الذي لا نظير له ، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده ، كما كان قاهرا وحده . وقرر ذلك بتوحيد الربوبية فقال : [ 66 ]
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا
أي : خالقهما ، ومربيهما ، ومدبرهما بجميع أنواع التدبير .
الْعَزِيزُ
الذي له القوة ، الّتي بها خلق المخلوقات العظيمة .
الْغَفَّارُ
لجميع الذنوب ، صغيرها ، وكبيرها ، لمن تاب إليه ، وأقلع منها . فهذا الذي يحب ويستحق أن يعبد ، دون من لا يخلق ، ولا يرزق ، ولا يضر ، ولا ينفع ، ولا يملك من الأمر شيئا ، وليس له قوة الاقتدار ، ولا بيده مغفرة الذنوب والأوزار . [ 67 ]
قُلْ
لهم ، محذرا ، ومخوفا ، ومنهضا لهم ومنذرا :
هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ
أي : ما أنبأتكم به من البعث ، والنشور ، والجزاء على الأعمال ، خبر عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه ، ولا ينبغي إغفاله . [ 68 ] ولكن
أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
( 68 ) كأنه ليس أمامكم حساب ولا عقاب ولا ثواب . فإن