تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 822

مساهمون:

ص٨٢٢
ذلك الإيمان ، بجوارحهم ، الأعمال
الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
لذنوبهم ، ويزول بها عنهم الشر والمكروه
وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
يحصل به المطلوب . [ 8 ] يقول تعالى :
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
القبيح ، زينه له الشيطان ، وحسنه في عينه ،
فَرَآهُ حَسَناً
أي : كمن هداه اللّه إلى الصراط المستقيم ، والدين القويم ، فهل يستوي هذا وهذا ؟ فالأول : عمل السيّئ ، ورأى الحقّ باطلا ، والباطل حقا . والثاني : عمل الحسن ، ورأى الحقّ حقا ، والباطل باطلا . ولكن الهداية والإضلال بيد اللّه تعالى .
فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ
أي : على الضالين الّذين زيّن لهم سوء أعمالهم ، وصدّهم الشيطان عن الحقّ
حَسَراتٍ
أي : فلا تهلك نفسك حزنا على الضالين وحسرة عليهم . فليس عليك إلا البلاغ ، وليس عليك من هداهم من شيء ، واللّه هو الذي يجازيهم بأعمالهم
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ
فيجازيهم عليها . [ 9 ] يخبر تعالى عن كمال اقتداره ، وسعة جوده ، وأنه الذي
أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ
فأنزله اللّه عليها
فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
. فحييت البلاد والعباد ، وارتزقت الحيوانات ، ورتعت في تلك الخيرات .
كَذلِكَ
الذي أحيا الأرض بعد موتها ، ينشر الأموات من قبورهم ، بعد ما مزقهم البلاء ، فيسوق إليهم مطرا ، كما ساقه إلى الأرض الميتة ، فينزله عليهم فتحيا الأجساد والأرواح من القبور ، ويكون
النُّشُورُ
فيأتون للقيام بين يدي اللّه ليحكم بينهم ، ويفصل بحكمه العدل . [ 10 ] أي : يا من يريد العزة ، اطلبها ممن هي بيده ، فإن العزة بيد اللّه ، ولا تنال إلا بطاعته . وقد ذكرها بقوله :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
من قراءة ، وتسبيح ، وتحميد ، وتهليل ، وكلّ كلام حسن طيب ، فيرفع إلى اللّه ، ويعرض عليه ، ويثني اللّه على صاحبه ، بين الملأ الأعلى ،
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ
من أعمال القلوب وأعمال الجوارح
يَرْفَعُهُ
اللّه تعالى إليه أيضا ، كالكلم الطيب . وقيل : العمل الصالح يرفع الكلم الطيب ، فيكون رفع الكلم الطيب بحسب أعمال العبد الصالحة ، فهي الّتي ترفع كلمه الطيب . فإذا لم يكن له عمل صالح ، لم يرفع له قول إلى اللّه تعالى . فهذه الأعمال الّتي ترفع إلى اللّه تعالى ، ويرفع اللّه صاحبها ويعزه . وأما السيّئات ، فإنها بالعكس ، يريد صاحبها الرفعة بها ، ويمكر ويكيد ويعود ذلك عليه ، ولا يزداد إلا هوانا ، ونزولا ، ولهذا قال :
وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
يهانون فيه غاية الإهانة .
وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ
أي : يهلك ويضمحل ، ولا يفيدهم شيئا ، لأنه مكر بالباطل ، لأجل الباطل . [ 11 ] يذكر تعالى خلقه الآدمي ، وتنقله في هذه الأطوار ، من تراب إلى نطفة وما بعدها .
ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً
أي : لم يزل ينقلكم ، طورا بعد طور ، حتى أوصلكم إلى أن كنتم أزواجا ، ذكر يتزوج أنثى ، ويراد بالزواج ، الذرية والأولاد . فهو وإن كان النكاح من الأسباب فيه ، فإنه مقترن بقضاء اللّه وقدره وعلمه .
وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ
وكذلك أطوار الآدمي ، كلها ، بعلمه وقضائه .
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ
أي : عمر الذي كان معمرا عمرا طويلا
إِلَّا
بعلمه تعالى . أو ما ينقص من عمر الإنسان الذي هو بصدد أن يصل إليه ، لولا ما