تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 785

مساهمون:

ص٧٨٥
بقياسهم قدرة الخالق ، على قدرهم . وكلامهم هذا ، ليس لطلب الحقيقة ، وإنما هو ظلم ، وعناد ، وكفر بلقاء ربهم وجحد ، ولهذا قال :
بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ
فكلامهم على مصدره وغايته . وإلا ، فلو كان قصدهم بيان الحق ، لبيّن لهم من الأدلة القاطعة على ذلك ، ما يجعله مشاهدا للبصيرة ، بمنزلة الشمس للبصر . ويكفيهم علمهم أنهم قد ابتدءوا من العدم ، فالإعادة أسهل من الابتداء ، وكذلك الأرض الميتة ، ينزل اللّه عليها المطر ، فتحيا بعد موتها ، وينبت به متفرق بذورها . [ 11 ]
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
أي : جعله اللّه وكيلا على قبض الأرواح ، وله أعوان .
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
فيجازيكم بأعمالكم ، وقد أنكرتم البعث ، فانظروا ما ذا يفعل اللّه بكم . [ 12 ] لما ذكر تعالى رجوعهم إليه يوم القيامة ، ذكر حالهم في مقامهم بين يديه ، فقال :
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ
الذين أصروا على الذنوب العظيمة .
ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
خاشعين خاضعين أذلاء ، مقرين بجرمهم ، سائلين الرجعة قائلين :
رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا
أي ؛ بان لنا الأمر ، ورأيناه عيانا ، فصار عين يقين .
فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
أي : صار عندنا الآن ، يقين بما كنا نكذب به . أي لرأيت أمرا فظيعا ، وحالا مزعجة ، أقواما خاسرين ، وسؤالا غير مجاب ، لأنه قد مضى وقت الإمهال . [ 13 ] وكل هذا بقضاء اللّه وقدره ، حيث خلى بينهم وبين الكفر والمعاصي ، فلهذا قال :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
أي : لهدينا الناس كلهم ، وجمعناهم على الهدى . فمشيئتنا صالحة لذلك ، ولكن الحكمة ، تأبى أن يكونوا كلهم على الهدى ، ولهذا قال :
وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي
أي : وجب ، وثبت ثبوتا لا تغير فيه .
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
فهذا الوعد ، لا بد منه ، ولا محيد عنه . فلا بد من تقرير أسبابه من الكفر والمعاصي . [ 14 ]
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
أي : يقال للمجرمين ، الذين ملكهم الذل ، وسألوا الرجعة إلى الدنيا ، ليستدركوا ما فاتهم : قد فات وقت الرجوع ولم يبق إلا العذاب ، فذوقوا العذاب الأليم ، بما نسيتم لقاء يومكم هذا . وهذا النسيان نسيان ترك ، أي : بما أعرضتم عنه ، وتركتم العمل له ، وكأنكم غير قادمين عليه ، ولا ملاقيه .
إِنَّا نَسِيناكُمْ
أي : تركناكم بالعذاب ، جزاء من جنس عملكم ، فكما نسيتم نسيتم .
وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ
أي : العذاب غير المنقطع . فإن العذاب إذا كان له أجل وغاية ، كان فيه بعض التنفيس والتخفيف . وأما عذاب جهنم - أعاذنا اللّه منه - فليس فيه روح راحة ، ولا انقطاع لعذابهم فيها .
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
من الكفر والفسوق والمعاصي . [ 15 ] لما ذكر الكافرين بآياته ، وما أعد لهم من العذاب ، ذكر المؤمنين بها ، ووصفهم ، وما أعد لهم من الثواب فقال :
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا
أي : إيمانا حقيقيا ، من يوجد منه شواهد الإيمان . وهم :
الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 785 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي