تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 784

مساهمون:

ص٧٨٤
من ضلالهم ، فيعرفون الحق ويؤثرونه . وهذه الأشياء التي ذكرها اللّه ، كلها مناقضة لتكذيبهم له : وإنها تقتضي منهم الإيمان والتصديق التام به ، وهو كونه
مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
وأنه
الْحَقُّ
والحق مقبول على كل حال ، وأنه
لا رَيْبَ فِيهِ
بوجه من الوجوه . فليس فيه ، ما يوجب الريبة ، لا بخبر غير مطابق للواقع ، ولا بخفاء واشتباه معانيه . وأنهم في ضرورة وحاجة إلى الرسالة ، وأن فيه الهداية لكل خير وإحسان . [ 4 ] يخبر تعالى عن كمال قدرته بأنه
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
أولها ، يوم الأحد ، وآخرها الجمعة ، مع قدرته على خلقها بلحظة ، ولكنه تعالى رفيق حكيم .
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
الذي هو سقف المخلوقات ، استواء يليق بجلاله .
ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ
يتولاكم في أموركم ، فينفعكم
وَلا شَفِيعٍ
يشفع لكم ، إن توجه عليكم العقاب .
أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ
فتعلمون أن خالق الأرض والسماوات ، المستوي على العرش العظيم ، الذي انفرد بتدبيركم ، وتوليكم ، وله الشفاعة كلها ، هو المستحق لجميع أنواع العبادة . [ 5 ]
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
القدري والأمر الشرعي ، الجميع هو المتفرد بتدبيره ، نازلة تلك التدابير من عند الملك القدير
مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ
فيسعد بها ويشقي ، ويغني ويفقر ، ويعزّ ، ويذلّ ، ويكرم ، ويهين ، ويرفع أقواما ، ويضع آخرين ، وينزّل الأرزاق .
ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ
أي : الأمر ينزل من عنده ، ويعرج إليه
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
وهو يعرج إليه ، ويصله في لحظة . [ 6 ]
ذلِكَ
الذي خلق تلك المخلوقات العظيمة ، الذي استوى على العرش العظيم ، وانفرد بالتدابير في المملكة
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
. فبسعة علمه ، وكمال عزته ، وعموم رحمته ، أوجدها ، وأودع فيها من المنافع ما أودع ، ولم يعسر عليه تدبيرها . [ 7 ]
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
أي : كل مخلوق خلقه اللّه ، فإن اللّه أحسن خلقه ، وخلقه خلقا يليق به ، ويوافقه - فهذا عام . ثم خص الآدمي لشرفه وفضله فقال :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ
وذلك بخلق آدم عليه السلام ، أبي البشر . [ 8 ]
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ
أي : ذرية آدم ناشئة
مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
وهو النطفة المستقذرة الضعيفة . [ 9 ]
ثُمَّ سَوَّاهُ
بلحمه ، وأعضائه ، وأعصابه ، وعروقه ، وأحسن خلقته ، ووضع كل عضو منه ، بالمحل الذي لا يليق به غيره .
وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ
بأن أرسل إليه الملك ، فينفخ فيه الروح ، فيعود بإذن اللّه ، حيوانا ، بعد أن كان جمادا .
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
أي : ما زال يعطيكم من المنافع شيئا فشيئا ، حتى أعطاكم السمع والأبصار
وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
الذي خلقكم وصوركم . [ 10 ] أي : قال المكذبون بالبعث على وجه الاستبعاد :
أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ
أي : بلينا وتمزقنا ، وتفرقنا في المواضع التي لا تعلم .
أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
أي : لمبعوثون بعثا جديدا . بزعمهم أن هذا من أبعد الأشياء ، وذلك