تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 780

مساهمون:

ص٧٨٠
مهتدين ، بل ضالين مضلين . [ 21 ] ولهذا قال :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ
على أيدي رسله ، فإنه الحقّ ، وبينت لهم أدلته الظاهرة
قالُوا
معارضين ذلك :
بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
فلا نترك ما وجدنا عليه آباءنا لقول أحد ، كائنا من كان . قال تعالى في الرد عليهم وعلى آبائهم :
أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ
. فاستجاب له آباؤهم ، ومشوا خلفه ، وصاروا من تلاميذ الشيطان ، واستولت عليهم الحيرة . فهل هذا ، موجب لاتباعهم ومشيهم على طريقتهم ، أم ذلك يرهبهم من سلوك سبيلهم ، وينادي على ضلالهم ، وضلال من تبعهم . وليس دعوة الشيطان لآبائهم ولهم ، محبة لهم ومودة ، وإنّما ذلك عداوة لهم ومكر لهم ، وبالحقيقة أتباعه من أعدائه ، الّذين تمكن منهم ، وظفر بهم ، وقرت عينه باستحقاقهم عذاب السعير ، بقبول دعوته . [ 22 ]
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ
أي : يخضع له وينقاد له بفعل الشرائع مخلصا له دينه .
وَهُوَ مُحْسِنٌ
في ذلك الإسلام بأن كان عمله مشروعا ، قد اتبع فيه الرسول . أو من يسلم وجهه إلى اللّه ، بفعل جميع العبادات ، وهو محسن فيها ، بأن يعبد اللّه كأنه يراه ، فإن لم يكن يراه ، فإنه يراك . أو من يسلم وجهه إلى اللّه ، بالقيام بحقوقه ، وهو محسن إلى عباد اللّه ، قائم بحقوقهم . والمعاني متلازمة ، لا فرق بينها إلا من جهة اختلاف مورد اللفظين . وإلا فكلها منفعة على القيام بجميع شرائع الدين ، على وجه تقبل به وتكمل . فمن فعل ذلك ،
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى
أي : بالعروة الّتي من تمسك بها ، توثق ونجا ، وسلم من الهلاك ، وفاز بكل خير . ومن لم يسلم وجهه للّه ، أو لم يحسن لم يستمسك بالعروة الوثقى ، وإذا لم يستمسك لم يكن ثمّ إلا الهلاك والبوار .
وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ
أي : رجوعها ، وموئلها ، ومنتهاها . فيحكم في عباده ، ويجازيهم بما آلت إليه أعمالهم ، ووصلت إليه عواقبهم ، فليستعدوا لذلك الأمر . [ 23 ]
وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ
لأنك أديت ما عليك ، من الدعوة والبلاغ . فإذا لم يهتد ، فقد وجب أجرك على اللّه ، ولم يبق للحزن موضع على عدم اهتدائه ، لأنه لو كان فيه خير ، لهداه اللّه . ولا تحزن أيضا ، على كونهم تجرءوا عليك بالعداوة ، ونابذوك المحاربة ، واستمروا على غيهم وكفرهم ، ولا تتحرق عليهم ، بسبب أنهم ما بودروا بالعذاب . إن
إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا
من كفرهم وعداوتهم ، وسعيهم في إطفاء نور اللّه ، وأذى رسله .
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
الّتي ما نطق بها الناطقون ، فكيف بما ظهر ، وكان شهادة ؟ [ 24 ]
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا
في الدنيا ، ليزداد إثمهم ، ويتوفر عذابهم .
ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ
أي : نلجئهم
إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ
أي : انتهى في عظمه ، وكبره ، وفظاعته ، وألمه ، وشدته . [ 25 ]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
أي : سألت هؤلاء المشركين المكذبين بالحق .
مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
لعلموا أن أصنامهم ، ما خلقت شيئا من ذلك
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
الذي خلقهما وحده .
قُلِ
لهم ، ملزما لهم ، ومحتجا عليهم بما أقروا به ، على ما أنكروا .
الْحَمْدُ لِلَّهِ
الذي بيّن النور ، وأظهر الاستدلال عليكم من أنفسكم . فلو كانوا يعلمون ، لجزموا أن المنفرد بالخلق والتدبير ، هو الذي يفرد بالعبادة والتوحيد .
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
فلذلك أشركوا به غيره ، ورضوا بتناقض ما ذهبوا إليه ، على وجه الحيرة والشك ، لا على وجه البصيرة . ثمّ ذكر هاتين الآيتين ، نموذجا من سعة أوصاف اللّه سبحانه ، ليدعو عباده إلى معرفته ، ومحبته ، وإخلاص الدين له . فذكر عموم ملكه ، وأن جميع ما في السماوات والأرض - وهذا شامل لجميع العالم العلوي والسفلي - أنه ملكه ، يتصرف فيهم بأحكام الملك القدرية ، وأحكامه الأمرية ، وأحكامه الجزائية . فكلهم عبيد مماليك ، مدبرون مسخرون ، ليس لهم من الملك شيء . وأنه واسع الغنى ، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه أحد من الخلق .
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ
( 57 ) . وأن أعمال النبيين والصديقين ، والشهداء والصالحين ، لا تنفع اللّه شيئا وإنّما تنفع عامليها ، واللّه