تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 779

مساهمون:

ص٧٧٩
الْأَرْضِ مَرَحاً
أي : بطرا ، فخرا بالنعم ، ناسيا المنعم ، معجبا بنفسك .
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ
في نفسه وهيئته وتعاظمه
فَخُورٍ
بقوله . [ 19 ]
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ
أي : امش متواضعا مستكينا ، لا مشي البطر والتكبر ، ولا مشي التماوت .
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ
أدبا مع الناس ومع اللّه .
إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ
أي : أفظعها وأبشعها
لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
. فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة ، لما اختص بذلك الحمار ، الذي قد علمت خسته وبلادته . وهذه الوصايا ، الّتي وصى بها لقمان ابنه ، تجمع أمهات الحكم ، وتستلزم ما لم يذكر منها . وكلّ وصية يقرن بها ، ما يدعو إلى فعلها ، إن كانت أمرا ، وإلى تركها ، إن كانت نهيا . وهذا يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة ، أنها العلم بالأحكام ، وحكمها ومناسباتها . فأمره بأصل الدين ، وهو التوحيد ، ونهاه عن الشرك ، وبيّن له الموجب لتركه . وأمره ببر الوالدين ، وبين له السبب الموجب لبرهما ، وأمره بشكره وشكرهما ، ثمّ احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما ، ما لم يأمرا بمعصية ، ومع ذلك ، فلا يعقهما ، بل يحسن إليهما ، وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك . وأمره بمراقبة اللّه ، وخوّفه القدوم عليه . وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر ، إلا أتى بها . ونهاه عن التكبر ، وأمره بالتواضع ، ونهاه عن البطر والأشر ، والمرح ، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات ، ونهاه عن ضد ذلك . وأمره بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإقامة الصلاة وبالصبر اللذين يسهل بهما كلّ أمر ، كما قال تعالى :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
. فحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا ، أن يكون مخصوصا بالحكمة ، مشهورا بها . ولهذا من منّة اللّه على عباده ، أن قص عليهم من حكمته ، ما يكون لهم به أسوة حسنة . [ 20 ] يمتن تعالى على عباده بنعمه ، ويدعوهم إلى شكرها ورؤيتها ، وعدم الغفلة عنها فقال :
أَ لَمْ تَرَوْا
أي : تشاهدوا وتبصروا بأبصاركم ، وقلوبكم .
أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ
من الشمس والقمر والنجوم ، كلها مسخرات لنفع العباد .
وَما فِي الْأَرْضِ
من الحيوانات والأشجار والزروع ، والأنهار والمعادن ونحوها كما قال تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
.
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ
أي : عمّكم وغمركم بوافر
نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً
الّتي نعلم بها ، والّتي تخفى علينا ، نعم الدنيا ، ونعم الدين ، حصول المنافع ، ودفع المضار ، فوظيفتكم أن تقوموا بشكر هذه النعم ، بمحبة المنعم والخضوع له ، وصرفها في الاستعانة على طاعته ، وأن لا يستعان بشيء منها على معصيته .
وَ
لكن مع توالي هذه النعم ، فإن
مِنَ النَّاسِ مَنْ
لم يشكرها ، بل كفرها ، وكفر بمن أنعم بها ، وجحد الحقّ الذي أنزل به كتبه ، وأرسل به رسله . فجعل
يُجادِلُ فِي اللَّهِ
أي : يجادل عن الباطل ، ليدحض به الحقّ ، ويدفع به ما جاء به الرسول ، من الأمر بعبادة اللّه وحده . وهذا المجادل يجادل
بِغَيْرِ عِلْمٍ
وعلى غير بصيرة . فليس جداله عن علم ، فيترك وشأنه ، ويسمح له في الكلام
وَلا هُدىً
يقتدي به بالمهتدين
وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ
أي : نيّر مبيّن للحق ، فلا معقول ، ولا منقول ، ولا اقتداء بالمهتدين . وإنّما جداله في اللّه ، مبني على تقليد آباء غير