تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 715

مساهمون:

ص٧١٥
حالة الشعراء ، ووصفهم الثابت ، فإنهم
يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
عن طريق الهدى ، المقبلون على طريق الغي والردى . فهم في أنفسهم غاوون ، وتجد أتباعهم كل غاو ، ضال فاسد . [ 225 ]
أَ لَمْ تَرَ
غوايتهم وشدة ضلالهم
أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ
من أودية الشعر ،
يَهِيمُونَ
فتارة في مدح ، وتارة في قدح ، وتارة يتغزلون ، وأخرى يسخرون ، ومرة يمرحون ، وآونة يحزنون ، فلا يستقر لهم قرار ، ولا يثبتون على حال من الأحوال . [ 226 ]
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
( 226 ) أي : هذا وصف الشعراء ، أنهم تخالف أقوالهم أفعالهم . فإذا سمعت الشاعر يتغزل بالغزل الرقيق ، قلت هذا أشد الناس غراما ، وقلبه فارغ من ذاك ، وإذا سمعته يمدح أو يذم ، قلت : هذا صدق ، وهو كذب . وتارة يتمدح بأفعال لم يفعلها ، وتروك لم يتركها ، وكرم لم يحم حول ساحته ، وشجاعة يعلو بها على الفرسان ، وتراه أجبن من كل جبان ، هذا وصفهم . فانظر ، هل يطابق حالة الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، الراشد البار ، الذي يتبعه كل راشد ومهتد ، الذي قد استقام على الهدى ، وجانب الردى ، ولم تتناقض أفعاله ؟ ، فهو لا يأمر إلا بالخير ، ولا ينهى إلا عن الشر ، ولا أخبر بشيء إلا صدق ، ولا أمر بشيء إلا كان أول الفاعلين له ، ولا نهى عن شيء إلا كان أول التاركين له . فهل تناسب حاله ، حالة الشعراء ، ويقاربهم ؟ أم هو مخالف لهم من جميع الوجوه ؟ فصلوات اللّه وسلامه ، على هذا الرسول الأكمل ، والهمام الأفضل ، أبد الآبدين ، ودهر الداهرين ، الذي ليس بشاعر ، ولا ساحر ، ولا مجنون ، لا يليق به إلا كل الكمال . [ 227 ] ولما وصف الشعراء بما وصفهم به ، استثنى منهم من آمن باللّه ورسوله ، وعمل صالحا ، وأكثر من ذكر اللّه ، وانتصر من أعدائه المشركين ، من بعد ما ظلموهم . فصار شعرهم ، من أعمالهم الصالحة ، وآثار إيمانهم ، لاشتماله على مدح أهل الإيمان ، والانتصار من أهل الشرك والكفر ، والذّبّ عن دين اللّه ، وتبيين العلوم النافعة ، والحث على الأخلاق الفاضلة فقال :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
( 227 ) إلى موقف وحساب ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، إلا أحصاها ، ولاحقا إلا استوفاه . والحمد للّه ربّ العالمين . تم تفسير سورة الشعراء .

تفسير سورة النمل

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 ] ينبه تعالى عباده على عظمة القرآن ، ويشير إليه إشارة دالة على التعظيم فقال :
تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ
أي : هي أعلى الآيات ، وأقوى البينات ، وأوضح الدلالات ، وأبينها على أجل المطالب ، وأفضل المقاصد ،