تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 706

مساهمون:

ص٧٠٦
[ 102 ]
فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً
أي : رجعة إلى الدنيا ، وإعادة إليها
فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
لنسلم من العقاب ، ونستحق الثواب . هيهات هيهات ، قد حيل بينهم وبين ما يشتهون ، وقد غلقت منهم الرهون . [ 103 ]
إِنَّ فِي ذلِكَ
الذي ذكرنا لكم ووصفنا
لَآيَةً
لكم
وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
مع نزول الآيات . [ 105 - 106 ] يذكر تعالى ، تكذيب قوم نوح لرسولهم نوح ، وما رد عليهم وردوا عليه ، وعاقبة الجميع فقال :
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ
( 105 ) جميعهم ، لأن تكذيب نوح ، كتكذيب جميع المرسلين ، لأنهم كلهم ، اتفقوا على دعوة واحدة ، وأخبار واحدة ، فتكذيب أحدهم ، كتكذيب ، بجميع ما جاءوا به من الحقّ . كذبوه
إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ
في النسب
نُوحٌ
. وإنّما ابتعث اللّه الرسل ، من نسب من أرسل إليهم ، لئلا يشمئزوا من الانقياد له ، ولأنهم يعرفون حقيقته ، فلا يحتاجون أن يبحثوا عنه ، فقال لهم مخاطبا ، بألطف خطاب ، كما هي طريقة الرسل ، صلوات اللّه وسلامه عليهم .
أَ لا تَتَّقُونَ
اللّه تعالى ، فتتركون ما أنتم مقيمون عليه ، من عبادة الأوثان ، وتخلصون العبادة للّه وحده . [ 107 ]
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
( 107 ) فكونه رسولا إليهم بالخصوص ، يوجب لهم تلقي ما أرسل به إليهم ، والإيمان به ، وأن يشكروا اللّه تعالى ، على أن خصهم بهذا الرسول الكريم . وكونه أمينا ، يقتضي أنه لا يقول على اللّه ، ولا يزيد في وحيه ، ولا ينقص . وهذا يوجب لهم التصديق بخبره والطاعة لأمره . [ 108 ]
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
( 108 ) فيما أمركم به ، ونهاكم عنه ، فإن هذا ، هو الذي يترتب على كونه رسولا إليهم ، أمينا ، فلذلك رتبه بالفاء ، الدالة على السبب . [ 109 ] فذكر السبب الموجب ، ثمّ ذكر انتفاء المانع فقال :
وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ
فتتكلفون من المغرم الثقيل .
إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ
أرجو بذلك ، القرب منه ، والثواب الجزيل . وأما أنتم فمنيتي ، ومنتهى إرادتي منكم ، النصح لكم ، وسلوككم الصراط المستقيم . [ 110 ]
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
كرر ذلك عليه السّلام ، لتكريره دعوة قومه ، وطول مكثه في ذلك ، كما قال تعالى :
فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
، وقال :
رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
( 6 ) الآيات . [ 111 ] فقالوا ردا لدعوته ، ومعارضة له بما ليس يصلح للمعارضة :
أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
أي : كيف نتبعك ونحن لا نرى أتباعك إلا أسافل الناس ، وأراذلهم وسقطهم . بهذا يعرف عن تكبرهم عن الحقّ ، وجهلهم بالحقائق ، فإنهم لو كان قصدهم الحقّ ، لقالوا - إن كان عندهم إشكال وشك في دعوته - بيّن لنا صحة ما جئت به بالطرق الموصلة إلى ذلك . ولو تأملوا حق التأمل ، لعلموا أن أتباعه ، هم الأعلون ، خيار الخلق ، أهل العقول الرزينة ، والأخلاق الفاضلة ، وأن الأرذل ، من سلب خاصية عقله ، فاستحسن عبادة الأحجار ، ورضي أن يسجد لها ، ويدعوها ، وأبى الانقياد لدعوة الرسل الكمل . وبمجرد ما يتكلم أحد الخصمين في الكلام الباطل ، يعرف فساد ما عنده بقطع النظر عن صحة دعوى خصمه . فقوم نوح ، لما سمعنا عنهم ، أنهم قالوا في ردهم دعوة نوح :
أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
فبنوا على هذا الأصل ، الذي كل أحد يعرف فساده ، رد دعوته ، - عرفنا أنهم ضالون مخطئون ، ولو لم نشاهد من آيات نوح ودعوته العظيمة ، ما يفيد الجزم واليقين ، بصدقه وصحة ما جاء به . [ 112 - 113 ] فقال نوح عليه السّلام :
وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ
( 113 ) أي : أعمالهم وحسابهم على اللّه ، إنّما عليّ التبليغ ، وأنتم دعوهم عنكم ، إن كان ما جئتكم به الحقّ ، فانقادوا له ، وكلّ له عمله .