تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 692

مساهمون:

ص٦٩٢
العباد بالمطر ، قبل نزوله ، وليستعدوا له ، قبل أن يفاجئهم دفعة واحدة .
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً
يطهر من الحدث ، والخبث ، ويطهر من الغش والأدناس ، وفيه بركة من بركته ، أنه أنزله ليحيي به ، بلدة ميتا ، فتختلف أصناف النباتات ، والأشجار فيها ، مما يأكل الناس والأنعام . [ 49 ]
وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً
أي : نسقيكموه ، أنتم وأنعامكم ، أليس الذي أرسل الرياح المبشرات ، وجعلها ، في عملها متنوعات ، وأنزل من السماء ، ماء طهورا مباركا ، فيه رزق العباد ، ورزق بهائمهم ، هو الذي يستحق أن يعبد ، وحده ، ولا يشرك معه غيره ؟ [ 50 ] ولما ذكر تعالى هذه الآيات العيانية المشاهدة ، وصرفها للعباد ، ليعرفوه ، ويشكروه ، ويذكروه مع ذلك
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
لفساد أخلاقهم وطبائعهم . [ 51 ] يخبر تعالى ، عن نفوذ مشيئته ، وأنه لو شاء ، لبعث في كل قرية نذيرا ، أي : رسولا ، ينذرهم ، ويحذرهم فمشيئته ، غير قاصرة على ذلك . ولكن اقتضت حكمته ، ورحمته بك ، وبالعباد ، يا محمد - أن أرسلك إلى جميعهم ، أحمرهم وأسودهم ، عربيهم ، وعجميهم ، إنسهم وجنهم . [ 52 ]
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ
في ترك شيء مما أرسلت به ، بل ابذل جهدك ، في تبليغ ما أرسلت به .
وَجاهِدْهُمْ
بالقرآن
جِهاداً كَبِيراً
أي : لا تبق من مجهودك في نصر الحقّ ، وقمع الباطل ، إلا بذلته ، ولو رأيت منهم ، من التكذيب والجراءة ، ما رأيت ، فابذل جهدك ، واستفرغ وسعك ، ولا تيأس من هدايتهم ، ولا تترك إبلاغهم ، لأهوائهم . [ 53 ] أي : وهو وحده الذي مرج البحرين يلتقيان ، البحر العذب ، وهي الأنهار السارحة على وجه الأرض ، والبحر الملح ، وجعل منفعة كل واحد منهما مصلحة للعباد .
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً
أي : حاجزا يحجز من اختلاط أحدهما بالآخر ، فتذهب المنفعة المقصودة منها
وَحِجْراً مَحْجُوراً
أي : حاجزا حصينا . [ 54 ] أي : وهو اللّه وحده لا شريك له ، الذي خلق الآدمي ، من ماء مهين ثمّ نشر منه ذرية كثيرة ، وجعلهم أنسابا وأصهارا ، متفرقين ومجتمعين ، والمادة كلها من ذلك الماء المهين ، فهذا يدل على كمال اقتداره ، لقوله :
وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً
. [ 55 ] ويدل على أن عبادته ، هي الحقّ ، وعبادة غيره ، باطلة لقوله :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
إلى
ظَهِيراً
. أي : يعبدون أصناما ، وأمواتا لا تضر ولا تنفع ، ويجعلونها أندادا لمالك النفع والضرر ، والعطاء والمنع مع أن الواجب عليهم ، أن يكونوا مقتدين بإرشادات ربهم ، ذابين عن دينه ، ولكنهم عكسوا القضية .
وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً
فالباطل الذي هو الأوثان والأنداد ، أعداء للّه . فالكافر عاونها ، وظاهرها على ربها ، وصار عدوا لربه ، مبارزا له في العداوة والحرب . وهذا وهو الذي خلقه ورزقه ، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة ، وليس يخرج عن ملكه ، وسلطانه ، وقبضته . واللّه لم يقطع عنه إحسانه وبره ، وهو - بجهله - مستمر على هذه المعاداة والمبارزة .