تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 690

مساهمون:

ص٦٩٠
تذكره عند حلول سببه .
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
أي : مهلناه ، ودرجناك فيه تدريجا . وهذا كله يدل على اعتناء اللّه بكتابه القرآن ، وبرسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، حيث جعل إنزال كتابه ، جاريا على أحوال الرسول ومصالحه الدينية . [ 33 ] ولهذا قال :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ
يعارضون به الحقّ ، ويدفعون به رسالتك .
إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
أي : أنزلنا عليك قرآنا جامعا للحق في معانيه ، والوضوح ، والبيان التام في ألفاظه ، فمعانيه كلها ، حق وصدق ، لا يشوبها باطل ولا شبهة ، بوجه من الوجوه . وألفاظه وحدوده للأشياء ، أوضح ألفاظا ، وأحسن تفسيرا ، مبين للمعاني بيانا كاملا . وفي هذه الآية ، دليل على أنه ينبغي للمتكلم في العلم ، من محدث ، ومعلم ، وواعظ ، أن يقتدي بربه ، في تدبيره ، حال رسوله . كذلك العالم ، يدبر أمر الخلق ، وكلما حدث موجب ، أو حصل موسم ، أتى بما يناسب ذلك ، من الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، والمواعظ الموافقة لذلك . وفيه رد على المتكلفين ، من الجهمية ونحوهم ، ممن يرى أن كثيرا من نصوص القرآن محمولة على غير ظاهرها ، ولها معان غير ما يفهم منها . فإذا - على قولهم - لا يكون القرآن أحسن تفسيرا من غيره ، وإنّما التفسير الأحسن - على زعمهم - تفسيرهم الذي حرفوا له المعاني تحريفا . [ 34 ] يخبر تعالى ، عن حال المشركين الّذين كذبوا رسوله ، وسوء مآلهم وأنهم
يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ
في أشنع مرأى ، وأفظع منظر ، تسحبهم ملائكة العذاب ، ويجرونهم
إِلى جَهَنَّمَ
الجامعة لكل عذاب وعقوبة .
أُوْلئِكَ
الّذين بهذه الحال
شَرٌّ مَكاناً
ممن آمن باللّه وصدق رسله .
وَأَضَلُّ سَبِيلًا
وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل ، فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء ، فإن المؤمنين ، حسن مكانهم ، ومستقرهم ، واهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم ، وفي الآخرة إلى الوصول ، إلى جنات النعيم . [ 35 - 40 ] أشار تعالى إلى هذه القصص ، وقد بسطها في آيات أخر ، ليحذّر المخاطبين ، من استمرارهم على تكذيب رسولهم ، فيصيبهم ما أصاب هؤلاء الأمم ، الّذين كانوا قريبا منهم ، ويعرفون قصصهم ، بما استفاض واشتهر عنهم . ومنهم من يرون آثارهم ، عيانا ، كقوم صالح في الحجر ، وكالقرية التي أمطرت مطر السّوء ، بحجارة من سجيل ، يمرون عليهم ، مصبحين ، وبالليل في أسفارهم . فإن أولئك الأمم ، ليسوا شرا منهم ، ورسلهم ، ليسوا خيرا من رسول هؤلاء .
أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ
( 43 ) . ولكن الذي منع هؤلاء من الإيمان - مع ما شاهدوا من الآيات - أنهم كانوا لا يرجون بعثا ولا نشورا ، فلا يرجون لقاء ربهم ، ولا يخشون نكاله ، فلذلك استمروا على عنادهم ، وإلا ، فقد جاءهم من الآيات ، ما لا يبقى معه شك ولا شبهة ، ولا إشكال ، ولا ارتياب . [ 41 ]
وَإِذا رَأَوْكَ
يا محمد ، أي : هؤلاء المكذبون لك ، المعاندون لآيات اللّه ، المستكبرون في الأرض ، استهزءوا بك ، واحتقروك ، وقالوا - على وجه الاحتقار والاستصغار - :
أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
أي : غير مناسب ، ولا لائق ، أن يبعث اللّه هذا الرجل ، وهذا من شدة ظلمهم وعنادهم ، وقلبهم الحقائق ، فإن كلامهم هذا يفهم أن الرسول - حاشاه - في غاية الخسة والحقارة ، وأنه لو كانت الرسالة لغيره ، لكان أنسب .
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا