تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 691

مساهمون:

ص٦٩١
الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
( 31 ) ، فهذا الكلام ، لا يصدر إلا من أجهل الناس وأضلهم ، أو من أعظمهم عنادا ، وهو متجاهل ، قصده ، ترويج ما معه من الباطل ، بالقدح بالحق ، وبمن جاء به ، وإلا ، فمن تدبر أحوال محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وجده رجل العالم ، وهمامهم ، ومقدمهم في العقل ، والعلم ، واللب ، والرزانة ، ومكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم ، والعفة ، والشجاعة ، وكل خلق فاضل ، وأن المحتقر له ، والشانئ له ، قد جمع من السفه والجهل ، والضلال ، والتناقض ، والظلم ، والعدوان ، ما لا يجمعه غيره . وحسبه جهلا وضلالا ، أن يقدح بهذا الرسول العظيم ، والهمام الكريم . [ 42 ] والقصد من قدحهم فيه واستهزائهم به ، تصلّبهم على باطلهم ، وتغرير ضعفاء العقول ، ولهذا قالوا :
إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا
بأن يجعل الآلهة إلها واحدا
لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها
لأضلنا ، فزعموا - قبحهم اللّه - أن الضلال هو التوحيد ، وأن الهدى ، ما هم عليه من الشرك ، فلهذا تواصوا بالصبر عليه .
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ
. وهنا قالوا :
لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها
والصبر يحمد في المواضع كلها ، إلا في هذا الموضع ، فإنه صبر على أسباب الغضب ، وعلى الاستكثار من حطب جهنم . وأما المؤمنون ، فهم كما قال اللّه عنهم :
وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
. ولما كان هذا ، حكما منهم ، بأنهم المهتدون ، والرسول ضال ، وقد تقرر أنهم لا حيلة فيهم ، توعدهم بالعذاب ، وأخبر أنهم في ذلك الوقت
حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ
يعلمون علما حقيقيا
مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
( 27 ) الآيات . [ 43 ] وهل فوق ضلال من جعل إلهه هواه ، فما هويه ، فعله ، فلهذا قال :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
ألا تعجب من حاله ، وتنظر ما هو فيه من الضلال ؟ وهو يحكم لنفسه بالمنازل الرفيعة ؟
أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
أي : لست عليه بمسيطر مسلط ، بل إنّما أنت منذر . قد قمت بوظيفتك ، وحسابه على اللّه . [ 44 ] ثمّ سجل تعالى على ضلالهم البليغ ، بأن سلبهم العقول والأسماع ، وشبههم في ضلالهم بالأنعام السائمة ، التي لا تسمع ، إلا دعاء ونداء ، صم ، بكم ، عمي فهم لا يعقلون ، بل هم أضل من الأنعام ، فإن الأنعام يهديها راعيها فتهتدي ، وتعرف طريق هلاكها ، فتجتنبه ، وهي أيضا أسلم عاقبة من هؤلاء . فتبين بهذا ، أن الرامي للرسول بالضلال ، أحق بهذا الوصف ، وأن كل حيوان بهيم ، فهو أهدى منه . [ 45 - 46 ]
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
أي : ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك ، كمال قدرة ربك ، وسعة رحمته ، أنه مدّ على العباد ، الظل ، وذلك قبل طلوع الشمس
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ
أي : على الظل
دَلِيلًا
، فلولا وجود الشمس ، لما عرف الظل ، فإن الضد يعرف بضده .
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
( 46 ) فكلما ارتفعت الشمس ، تقلص الظل ، شيئا فشيئا ، حتى يذهب بالكلية ، فتوالي الظل والشمس على الخلق ، الذي يشاهدونه عيانا ، وما يترتب على ذلك ، من اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما ، وتعاقب الفصول ، وحصول المصالح الكثيرة ، بسبب ذلك - من أدل دليل ، على قدرة اللّه وعظمته ، وكمال رحمته ، وعنايته بعباده ، وأنه وحده ، المعبود المحمود ، المحبوب المعظم ، ذو الجلال والإكرام . [ 47 ] أي : من رحمته بكم ولطفه ، أن جعل الليل لكم بمنزلة اللباس ، الذي يغشاكم ، حتى تستقروا فيه ، وتهدءوا بالنوم ، وتسبت حركاتكم ، أي : تنقطع عند النوم . فلو لا الليل ، لما سكن العباد ، ولا استمروا في تصرفهم ، فضرهم ذلك غاية الضرر ، ولو استمر أيضا الظلام لتعطلت عليهم ، معايشهم ، ومصالحهم ، ولكنه جعل النهار نشورا ينتشرون فيه ، لتجاراتهم ، وأسفارهم ، وأعمالهم ، فيقوم بذلك ، ما يقوم من المصالح . [ 48 ] أي : هو وحده ، الذي رحم عباده ، وأدرّ عليهم رزقه ، بأن أرسل الرياح مبشرات ، بين يدي رحمته ، وهو : المطر ، فثار بها السحاب ، وتألف ، وصار كسفا ، وألحقته ، وأدرته بإذن ربها ، والمتصرف فيها ، ليقع استبشار