تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 621

مساهمون:

ص٦٢١
الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً
( 27 ) . فاستجاب اللّه له ، فأغرقهم ، ولم يبق منهم أحدا ، ونجّى اللّه نوحا وأهله ، ومن معه من المؤمنين ، في الفلك المشحون ، وجعل ذريته هم الباقين ، ونصرهم اللّه على قومه المستهزئين . [ 78 ] أي : واذكر هذين النبيين الكريمين « سليمان » و « داود » مثنيا مبجلا ، إذ آتاهما اللّه العلم الواسع ، والحكم بين العباد ، بدليل قوله :
إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
أي : إذ تحاكم إليهما صاحب حرث ، نفشت فيه غنم القوم الأخرى ، أي : رعت ليلا ، فأكلت ما في أشجاره ، ورعت زرعه ، فقضى فيه داود عليه السّلام ، بأن الغنم تكون لصاحب الحرث ، نظرا إلى تفريط أصحابها ، فعاقبهم بهذه العقوبة . وحكم فيها سليمان بحكم موافق للصواب ، بأن أصحاب الغنم يدفعون غنمهم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرّها وصوفها ويقومون على بستان صاحب الحرث ، حتى يعود إلى حاله الأولى ، فإذا عاد إلى حاله ، ترادا ، ورجع كل منهما بماله ، وكان هذا من كمال فهمه وفطنته عليه السّلام . [ 79 ] ولهذا قال :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
أي : فهمناه هذه القضية ، ولا يدل ذلك ، أن داود لم يفهمه اللّه في غيرها ، ولهذا خصها بالذكر بدليل قوله :
وَكُلًّا
من داود وسليمان
آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
، وهذا دليل على أن الحاكم قد يصيب الحقّ والصواب وقد يخطئ ذلك ، وليس بملوم إذا أخطأ ، مع بذل اجتهاده . ثمّ ذكر ما خص به كلا منهما فقال :
وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ
، وذكر أنه كان من أعبد الناس وأكثرهم للّه ذكرا وتسبيحا ، وتمجيدا ، وكان قد أعطاه اللّه ، من حسن الصوت ورقته ورخامته ، ما لم يؤته أحدا من الخلق ، فكان إذا سبح وأثنى على اللّه ، جاوبته الصم والطيور البهم ، وهذا فضل اللّه عليه وإحسانه ولهذا قال :
وَكُنَّا فاعِلِينَ
. [ 80 ]
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ
أي : علم اللّه داود عليه السّلام ، صنعة الدروع ، فهو أول من صنعها وعلمها وسرت صناعته إلى من بعده ، فألان اللّه له الحديد ، وعلمه كيف يسردها والفائدة فيها كبيرة .
لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ
أي : هي وقاية لكم ، وحفظ عند الحرب ، واشتداد البأس .
فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ
نعمة اللّه عليكم ، حيث أجراها على يد عبده داود كما قال تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ
. يحتمل أن تعليم اللّه لداود صنعة الدروع ، وإلانتها أمر خارق للعادة ، وأن يكون - كما قاله المفسرون - : إن اللّه ألان له الحديد ، حتى كان يعمله كالعجين والطين ، من دون إذابة له على النار . ويحتمل أن تعليم اللّه له ، على جاري العادة ، وأن إلانة الحديد له ، بما علمه اللّه من الأسباب المعروفة الآن ، لإذابتها ، وهذا هو الظاهر ، لأن اللّه امتنّ على العباد وأمرهم بشكرها ، ولولا أن صنعته من الأمور التي جعلها اللّه مقدورة للعباد ، لم يمتن عليهم بذلك ، ويذكر فائدتها ، لأن الدروع التي صنع داود عليه السّلام ، متعذر أن يكون المراد أعينها ، وإنّما المنّة بالجنس ، والاحتمال الذي ذكره المفسرون ، لا دليل عليه إلا قوله :
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
، وليس فيه أن الإلانة من دون سبب ، واللّه أعلم بذلك . [ 81 ]
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ
أي : سخرناها
عاصِفَةً
أي : سريعة في مرورها .
تَجْرِي بِأَمْرِهِ
حيث أديرت امتثلت أمره ، غدوها شهر ورواحها شهر
إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها
وهي أرض الشام ، حيث كان مقره . فيذهب على الريح شرقا وغربا ، ويكون مأواها ورجوعها ، إلى الأرض المباركة .
وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ
قد أحاط علمنا بجميع الأشياء ، وعلمنا داود وسليمان ، ما أوصلناهما به إلى ما ذكرنا . [ 82 ]
وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ
هذا أيضا من خصائص سليمان عليه السّلام ، أن اللّه سخر له الشياطين والعفاريت ، وسلطه على تسخيرهم في الأعمال ، التي لا يقدر على كثير منها غيرهم ، فكان منهم ، من يغوص له في البحر ، ويستخرج الدر ، واللؤلؤ ، وغير ذلك . ومنهم من يعمل له