تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 624

مساهمون:

ص٦٢٤
ويتعوذون بنا ، من الأمور المرهوب منها ، من مضار الدارين ، وهم راغبون لا غافلون ، لاهون ولا مدلون .
وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ
أي : خاضعين متذللين متضرعين ، وهذا لكمال معرفتهم بربهم . [ 91 ] أي : واذكر مريم ، عليها السلام ، مثنيا عليها مبينا لقدرها ، شاهرا لشرفها ، فقال :
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها
أي : حفظته من الحرام وقربانه ، بل ومن الحلال ، فلم تتزوج لاشتغالها بالعبادة ، واستغراق وقتها بالخدمة لربها . وحين جاءها جبريل في صورة بشر سويّ تامّ الخلق والحسن
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
( 18 ) فجازاها اللّه من جنس عملها ، ورزقها ولدا من غير أب ، بل نفخ فيها جبريل عليه السلام ، فحملت بإذن اللّه .
وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ
حيث حملت به ، ووضعته من دون مسيس أحد ، وحيث تكلم في المهد ، وبرّأها مما ظن بها المتهمون وأخبر عن نفسه في تلك الحالة ، وأجرى اللّه على يديه من الخوارق والمعجزات ، ما هو معلوم ، فكانت وابنها آية للعالمين ، يتحدث بها ، جيلا بعد جيل ، ويعتبر بها المعتبرون . [ 92 ] ولما ذكر الأنبياء عليهم السلام ، قال مخاطبا للناس :
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
أي : هؤلاء الرسل المذكورون ، هم أمتكم وأئمتكم الذين بهم تأتمون ، وبهديهم تقتدون ، كلهم على دين واحد ، وصراط واحد ، والرب أيضا واحد . ولهذا قال :
وَأَنَا رَبُّكُمْ
الذي خلقتكم ، وربيتكم بنعمتي ، في الدين والدنيا ، فإذا كان الرب واحدا ، والنبي واحدا ، والدين واحدا ، وهو : عبادة اللّه ، وحده لا شريك له ، بجميع أنواع العبادة - كان وظيفتكم ، والواجب عليكم ، القيام بها . ولهذا قال :
فَاعْبُدُونِ
فرتب العبادة على ما سبق بالفاء ، ترتيب المسبب على سببه . [ 93 ] وكان اللائق ، الاجتماع على هذا الأمر ، وعدم التفرق فيه ، ولكن البغي والاعتداء ، أبيا إلا الافتراق والتقطع . ولهذا قال :
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ
أي : تفرق الأحزاب المنتسبون لاتباع الأنبياء فرقا ، وتشتتوا ، كلّ يدّعي أن الحق معه ، والباطل مع الفريق الآخر و
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ *
. وقد علم أن المصيب منهم ، من كان سالكا للدين القويم ، والصراط المستقيم ، مؤتما بالأنبياء ، وسيظهر هذا ، إذا انكشف الغطاء ، وبرح الخفاء ، وحشر اللّه الناس لفصل القضاء . فحينئذ يتبين الصادق من الكاذب ، ولهذا قال :
كُلٌّ
من الفرق المتفرقة وغيرهم
إِلَيْنا راجِعُونَ
أي : فنجازيهم أتم الجزاء . [ 94 ] ثم فصل جزاءه فيهم ، منطوقا ومفهوما ، فقال :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ
أي : الأعمال التي شرعتها الرسل ، وحثت عليها الكتب
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
باللّه وبرسله ، وما جاءوا به
فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ
أي : لا نضيع سعيه ولا نبطله ، بل نضاعفه له ، أضعافا كثيرة .
وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ
أي : مثبتون له في اللوح المحفوظ ، وفي الصحف التي مع الحفظة . أي : ومن يعمل من الصالحات ، أو عملها وهو ليس بمؤمن ، فإنه محروم ، خاسر في دينه ، ودنياه . [ 95 ] أي : يمتنع على القرى المهلكة المعذبة ، الرجوع إلى الدنيا ، ليستدركوا ما فرطوا فيه فلا سبيل إلى الرجوع لمن أهلك وعذب . فليحذر المخاطبون ، أن يستمروا على ما يوجب الإهلاك فيقع بهم ، فلا يمكن رفعه ، وليقلعوا وقت الإمكان والإدراك . [ 96 ] هذا تحذير من اللّه للناس ، أن يقيموا على الكفر والمعاصي ، وأنه قد قرب انفتاح يأجوج ومأجوج ، وهما قبيلتان من بني آدم ، وقد سد عليهم ذو القرنين ، لما شكي إليه إفسادهم في الأرض . وفي آخر الزمان ، ينفتح السد عنهم ، فيخرجون إلى الناس وفي هذه الحالة والوصف ، الذي ذكره اللّه من كل مكان مرتفع ، وهو الحدب ينسلون أي : يسرعون . في هذا ، دلالة على كثرتهم الباهرة ، وإسراعهم في الأرض ، إما بذواتهم ، وإما بما خلق اللّه لهم من الأسباب التي تقرب لهم البعيد ، وتسهل عليهم الصعب ، وأنهم يقهرون الناس ، ويعلون عليهم في الدنيا ، وأنه لا يد لأحد بقتالهم .