تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
على قساوة القلوب وكثرة الذنوب .
وَما ظَلَمُونا
يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا لأن اللّه لا تضره معصية العاصين ، كما لا تنفعه طاعات الطائعين ،
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
فيعود ضرره عليهم . [ 58 ] وهذا أيضا من نعمته عليهم بعد معصيتهم إياه ، فأمرهم بدخول قرية تكون لهم عزا ووطنا ومسكنا ، ويحصل لهم فيها الرزق الرغد ، وأن يكون دخولهم على وجه خاضعين للّه فيه بالفعل ، وهو دخول الباب
سُجَّداً
، أي : خاضعين ذليلين ، وبالقول ، وهو أن يقولوا
حِطَّةٌ
، أي : أن يحط عنهم خطاياهم بسؤالهم إياه مغفرته .
نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ
بسؤالكم المغفرة ،
وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
بأعمالهم ، أي : جزاء عاجلا وآجلا . [ 59 ]
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
منهم ، ولم يقل فبدلوا لأنهم لم يكونوا كلهم بدلوا
قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ
فقالوا بدل حطة : حبة في حنطة ، استهانة بأمر اللّه ، واستهزاء ، وإذا بدلوا القول مع خفته فتبديلهم للفعل من باب أولى وأحرى ، ولهذا دخلوا يزحفون على أدبارهم ، ولما كان هذا الطغيان أكبر سبب لوقوع عقوبة اللّه بهم ، قال :
فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
« منهم »
رِجْزاً
، أي : عذابا
مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
بسبب فسقهم وبغيهم . [ 60 ]
وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ
، أي : طلب لهم ماء يشربون منه ،
فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ
، إما حجر مخصوص معلوم عنده ، وإما اسم جنس ،
فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً
وقبائل بني إسرائيل اثنتا عشرة قبيلة ،
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
، أي : محلهم الذي يشربون عليه من هذه الأعين ، فلا يزاحم بعضهم بعضا ، بل يشربونه متهنئين لا متكدرين ، ولهذا قال :
كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ
، أي : الذي آتاكم من غير سعي ولا تعب ،
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
، أي : تخربوا على وجه الإفساد . [ 61 ]
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى
، أي : واذكروا ، إذ قلتم لموسى على وجه التملل لنعم اللّه والاحتقار لها ،
لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ
، أي : جنس من الطعام ، وإن كان كما تقدم أنواعا ، لكنها لا تتغير ،
فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها
، أي : نباتها الذي ليس بشجر يقوم على ساقه ،
وَقِثَّائِها
وهو الخيار
وَفُومِها
، أي : ثومها ،
وَعَدَسِها وَبَصَلِها
والعدس والبصل معروف .
قالَ
لهم موسى :
أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى
وهو الأطعمة المذكورة ،
بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
وهو المن والسلوى ، فهذا غير لائق بكم ، فإن هذه الأطعمة التي طلبتموها ، أيّ مصر هبطتموه وجدتموها ، وأما طعامكم الذي منّ اللّه به عليكم ، فهو خير الأطعمة وأشرفها ، فكيف تطلبون به بدلا ؟ ولما كان الذي جرى منهم فيه أكبر دليل على قلة صبرهم واحتقارهم لأوامر اللّه ونعمه ، جازاهم من جنس عملهم ، فقال :
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
التي تشاهد على ظاهر أبدانهم
وَالْمَسْكَنَةُ
بقلوبهم ، فلم تكن أنفسهم عزيزة ، ولا لهم همم عالية ، بل أنفسهم أنفس مهينة ، وهممهم أردا الهمم .
وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
، أي : لم تكن غنيمتهم التي رجعوا بها وفازوا ، إلا أن رجعوا بسخطه عليهم ، فبئست الغنيمة غنيمتهم ، وبئست الحالة حالتهم .