تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
شرهم ، وبعض من كان إيمانه ضعيفا ، رجع عنه بسبب أن ما أخبرهم به من الأمور التي كانت ليلة الإسراء ، ومن الإسراء من المسجد الحرام ، إلى المسجد الأقصى ، كان خارقا للعادة . والإخبار بوجود شجرة ، تنبت في أصل الجحيم أيضا ، من الخوارق فهذا الذي أوجب لهم التكذيب . فكيف لو شاهدوا الآيات العظيمة والخوارق الجسيمة ؟ أليس ذلك أولى أن يزداد بسببه شرهم ؟ فلذلك رحمهم اللّه وصرفها عنهم . ومن هنا تعلم أن عدم التصريح في الكتاب والسنة ، بذكر الأمور العظيمة التي حدثت في الأزمنة المتأخرة ، أولى وأحسن ، لأن الأمور التي لم يشاهد الناس لها نظيرا ، ربما لا تقبلها عقولهم ، فيكون ذلك ريبا في قلوب بعض المؤمنين ، ومانعا ، يمنع من لم يدخل الإسلام ، ومنفرا عنه . بل ذكر اللّه ألفاظا عامة ، تتناول جميع ما يكون ، واللّه أعلم .
وَنُخَوِّفُهُمْ
بالآيات
فَما يَزِيدُهُمْ
التخويف
إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً
وهذا أبلغ ما يكون في التحلي بالشر ومحبته ، وبغض الخير وعدم الانقياد له . [ 61 ] ينبه تبارك وتعالى عباده على شدة عداوة الشيطان ، وحرصه على إضلالهم ، وأنه لما خلق اللّه آدم ، استكبر عن السجود له ، و
قالَ
متكبرا :
أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً
أي : من طين ، وبزعمه ، أنه خير منه ، لأنه خلق من نار . وقد تقدم فساد هذا القياس الباطل من عدة أوجه . [ 62 ] فلما تبين لإبليس تفضيل اللّه لآدم
قالَ
مخاطبا للّه :
أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ
أي : لأستأصلنهم بالإضلال ، ولأغوينهم
إِلَّا قَلِيلًا
عرف الخبيث ، أنه لا بد أن يكون منهم من يعاديه ، ويعصيه . [ 63 ] فقال اللّه له :
اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ
واختارك على ربه ووليه الحق .
فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً
أي : مدخرا لكم ، موفرا جزاء أعمالكم . [ 64 ] ثم أمره اللّه أن يفعل كل ما يقدر عليه من إضلالهم فقال :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ
ويدخل في هذا كل داع إلى المعصية .
وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ
ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية اللّه ، فهو من خيل الشيطان ورجله . والمقصود أن اللّه ابتلى العباد بهذا العدو المبين ، الداعي لهم إلى معصية اللّه ، بأقواله وأفعاله .
وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
وذلك شامل لكل معصية ، تعلقت بأموالهم وأولادهم ، من منع الزكاة والكفارات ، والحقوق الواجبة وعدم تأديب الأولاد ، وتربيتهم على الشر ، وترك الخير « 1 » ، وأخذ الأموال بغير حقها ، أو وضعها بغير حقها ، أو استعمال المكاسب الردية . بل ذكر كثير من المفسرين ، أنه يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد ، ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع . وأنه إذا لم يسم اللّه في ذلك ، شارك فيه الشيطان ، كما ورد فيه الحديث .
وَعِدْهُمْ
الوعود المزخرفة التي لا حقيقة لها ، ولهذا قال :
وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
أي :
هامش
( 1 ) في المطبوعة : ( وتربيتهم على الخير وترك الشر ) .