تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
فيسكن كل حيوان إلى مأواه ، ويستريحون من التعب والنصب في النهار ، ثمّ إذا قضوا مأربهم من النوم ، غشي النهار الليل ، فإذا هم مصبحون ينتشرون في مصالحهم وأعمالهم في النهار .
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 73 ) ،
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
على المطالب الإلهية
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
فيها ، وينظرون فيها نظرة اعتبار دالة على أن الذي خلقها ودبرها ، وصرفها ، هو اللّه الذي لا إله إلا هو ، ولا معبود سواه ، وأنه عالم الغيب والشهادة ، الرحمن الرحيم ، وأنه القادر على كل شيء ، الحكيم في كل شيء ، المحمود على ما خلقه وأمر به ، تبارك وتعالى . [ 4 ]
وَ
من الآيات على كمال قدرته ، وبديع صنعته ،
فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ
فيها أنواع الأشجار
مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ
وغير ذلك ، والنخيل التي بعضها
صِنْوانٌ
أي : عدة أشجار في أصل واحد ،
وَغَيْرُ صِنْوانٍ
بأن كان كل شجرة على حدتها ، والجميع
يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ
وأرضه واحدة
وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
لونا ، وطعما ، ونفعا ، ولذة ؛ فهذه أرض طيبة ، تنبت الكلأ والعشب الكثير ، والأشجار والزروع ، وهذه أرض تلاصقها ، لا تنبت كلأ ، ولا تمسك ماء . وهذه تمسك الماء ، ولا تنبت الكلأ ، وهذه تنبت الزرع والأشجار ، ولا تنبت الكلأ ، وهذه الثمرة حلوة ، وهذه مرة ، وهذه بين ذلك . فهل هذا التنوع ، في ذاتها ، وطبيعتها ؟ أم ذلك تقدير العزيز الرحيم ؟
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
أي : لقوم لهم عقول تهديهم إلى ما ينفعهم ، وتقودهم إلى ما يرشدون به ويعقلون عن اللّه ، وصاياه وأوامره ونواهيه ، وأما أهل الإعراض ، وأهل البلادة فهم في ظلماتهم يعمهون ، وفي غيهم يترددون ، لا يهتدون إلى ربهم سبيلا ، ولا يعون له قيلا . [ 5 ] يحتمل أن معنى قوله :
وَإِنْ تَعْجَبْ
من عظمة اللّه تعالى ، وكثرة أدلة التوحيد ، فإن العجب - مع هذا - إنكار المكذبين ، وتكذيبهم بالبعث ، وقولهم :
أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
أي : هذا بعيد في غاية الامتناع بزعمهم ، أنهم بعد ما كانوا ترابا ، أن اللّه يعيدهم ، فإنهم - من جهلهم - قاسوا قدرة الخالق بقدرة المخلوق . فلما رأوا هذا ممتنعا ، في قدرة المخلوق ، ظنوا أنه ممتنع على قدرة الخالق ، ونسوا أن اللّه خلقهم أول مرة ، ولم يكونوا شيئا . ويحتمل أن معناه : وإن تعجب من قولهم وتكذيبهم للبعث ، فإن ذلك من العجائب ، فإن الذي توضح له الآيات ، ويرى من الأدلة القاطعة على البعث ، ما لا يقبل الشك والريب ، ثمّ ينكر ذلك ، فإن قوله من العجائب . ولكن ذلك لا يستغرب على
أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
وجحدوا وحدانيته ، وهي أظهر الأشياء وأجلاها ،
وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ
المانعة لهم من الهدى
فِي أَعْناقِهِمْ
حيث دعوا إلى الإيمان ، فلم يؤمنوا ، وعرض عليهم الهدى فلم يهتدوا ، فقلبت قلوبهم وأفئدتهم ، عقوبة على أنهم لم يؤمنوا به أول مرة ،
وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
لا يخرجون منها أبدا . [ 6 ] يخبر تعالى ، عن جهل المكذبين لرسوله ، المشركين به ، الّذين وعظوا فلم يتعظوا ، وأقيمت عليهم الأدلة ، فلم ينقادوا لها ، بل جاهروا بالإنكار ، واستدلوا بحلم اللّه الواحد القهار عنهم ، وعدم معاجلتهم بذنوبهم ، أنهم على حق ، وجعلوا يتعجلون الرسول بالعذاب ، ويقول قائلهم :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
.
وَ
الحال أنه
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ
أي : وقائع اللّه وأيامه في الأمم المكذبين ، أفلا يتفكرون في حالهم ، ويتركون جهلهم ،
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ
أي : لا يزال خيره إليهم ، وإحسانه ، وبره ، وعفوه نازلا إلى العباد ، وهم لا يزال شركهم ، وعصيانهم إليه صاعدا . يعصونه فيدعوهم إلى بابه ، ويجرمون ، فلا يحرمهم خيره وإحسانه . فإن تابوا إليه ، فهو حبيبهم ، لأنه يحب التوابين ، ويحب المتطهرين ، وإن لم يتوبوا ، فهو طبيبهم ، يبتليهم بالمصائب ، ليطهرهم من المعايب :
* قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ