تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
والبراهين القاطعة ، فمن أقبل عليه ، وعلى علمه ، كان من أهل العلم بالحق ، الذي يوجب لهم علمهم به ، العمل بما أوجب اللّه .
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ
بهذا القرآن ، إما جهلا ، وإعراضا عنه ، وعدم اهتمام به ، وإما عنادا وظلما ، فلذلك أكثر الناس ، غير منتفعين به ، لعدم السبب الموجب للانتفاع . [ 2 ] يخبر تعالى عن انفراده بالخلق والتدبير ، والعظمة والسلطان ، الدال على أنه وحده المعبود ، الذي لا تنبغي العبادة إلا له فقال :
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ
على عظمها واتساعها ، بقدرته العظيمة ،
بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها
أي : ليس لها عمد من تحتها ، فإنه لو كان لها عمد ، لرأيتموها ،
ثُمَّ
بعد ما خلق السماوات والأرض
اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
العظيم الذي هو أعلى المخلوقات ، استواء يليق بجلاله ، ويناسب كماله .
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
لمصالح العباد ومصالح مواشيهم وثمارهم ،
كُلٌّ
من الشمس والقمر
يَجْرِي
بتدبير العزيز العليم ،
لِأَجَلٍ مُسَمًّى
بسير منتظم ، لا يفتران ، ولا ينيان ، حتى يجيء الأجل المسمى وهو طيّ اللّه هذا العالم ، ونقلهم إلى الدار الآخرة ، التي هي دار القرار ، فعند ذلك يطوي اللّه السماوات ، ويبدلها ، ويغير الأرض ويبدلها . فتكور الشمس والقمر ، ويجمع بينهما ، فيلقيان في النار ، ليرى من عبدهما أنهما غير أهل للعبادة ؛ فيتحسر بذلك أشد الحسرة ، وليعلم الّذين كفروا ، أنهم كانوا كاذبين . وقوله :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ
هذا جمع بين الخلق والأمر ، أي : قد استوى اللّه العظيم على سرير الملك ، يدبر الأمور في العالم العلوي والسفلي ، فيخلق ويرزق ، ويغني ، ويفقر ، ويرفع أقواما ، ويضع آخرين ، ويعز ويذل ، ويخفض ويرفع ، ويقيل العثرات ، ويفرج الكربات ، وينفذ الأقدار في أوقاتها ، التي سبق بها علمه ، وجرى بها قلمه ، ويرسل ملائكته الكرام ، لتدبير ما جعلهم على تدبيره . وينزل الكتب الإلهية على رسله ، ويبين ما يحتاج إليه العباد من الشرائع ، والأوامر والنواهي ، ويفصلها غاية التفصيل ، ببيانها ، وإيضاحها وتمييزها ،
لَعَلَّكُمْ
بسبب ما أخرج لكم من الآيات الأفقية ، والآيات القرآنية ،
بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
فإن كثرة الأدلة وبيانها ووضوحها ، من أسباب حصول اليقين ، في جميع الأمور الإلهية ، خصوصا في العقائد الكبار ، كالبعث والنشور والإخراج من القبور . وأيضا ، فقد علم أن اللّه تعالى ، حكيم لا يخلق الخلق سدى ، ولا يتركهم عبثا ، فكما أنه أرسل رسله ، وأنزل كتبه ، لأمر العباد ونهيهم ، فلا بد أن ينقلهم إلى دار ، يحل فيها جزاؤه ، فيجازي المحسنين بأحسن الجزاء ، ويجازي المسيئين بإساءتهم . [ 3 ]
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ
أي : خلقها للعباد ، ووسعها ، وبارك فيها ، ومدها للعباد ، وأودع فيها من مصالحهم ما أودع ،
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ
أي : جبالا عظاما ، لئلا تميد بالخلق ، فإنه لولا الجبال ، لمادت بأهلها ، لأنها على تيار ماء ، لا ثبوت لها ، ولا استقرار ، إلا بالجبال الرواسي ، التي جعلها اللّه أوتادا لها .
وَ
جعل فيها
أَنْهاراً
تسقي الآدميين وبهائمهم وحروثهم ، فأخرج بها من الأشجار والزروع والثمار ، خيرا كثيرا ولهذا قال :
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
أي : صنفين ، مما يحتاج إليه العباد .
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
فتظلم الآفاق ،