تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
بِناصِيَتِها
. ومن المعلوم ، أن من هذا شأنه ووصفه ، خير من الآلهة المتفرقة ، التي هي مجرد أسماء ، لا كمال لها ، ولا أفعال لديها . [ 40 - 41 ] ولهذا قال :
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ
. أي : كسوتموها أسماء ، سميتموها آلهة ، وهي لا شيء ، ولا فيها من صفات الألوهية شيء ،
ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
بل أنزل اللّه السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها ، وإذا لم ينزل اللّه بها سلطانا ، لم يكن طريق ، ولا وسيلة ، ولا دليل لها .
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
وحده ، فهو الذي يأمر وينهى ، ويشرع الشرائع ، ويسن الأحكام . وهو الذي
أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
أي : المستقيم الموصل إلى كل خير ، وما سواه من الأديان ، فإنها غير مستقيمة ، بل معوجة ، توصل إلى كل شر .
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
حقائق الأشياء ، وإلا فإن الفرق بين عبادة اللّه ، وحده لا شريك له ، وبين الشرك به ، من أظهر الأشياء وأبينها . ولكن لعدم العلم من أكثر الناس بذلك ، حصل منهم ما حصل ، من الشرك . فيوسف عليه السلام ، دعا صاحبي السجن لعبادة اللّه وحده ، وإخلاص الدين له ، فيحتمل أنهما استجابا وانقادا ، فتمت عليهما النعمة ، ويحتمل أنهما ، لم يزالا على شركهما ، فقامت عليهما - بذلك - الحجة ، ثم إنه ، عليه السلام ، شرع يعبر رؤياهما ، بعد ما وعدهما ذلك ، فقال :
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ
إلى
الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
.
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما
وهو : الذي رأى أنه يعصر خمرا ، فإنه يخرج من السجن
فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً
أي : يسقي سيده ، الذي كان يخدمه خمرا ، وذلك مستلزم لخروجه من السجن ،
وَأَمَّا الْآخَرُ
وهو : الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا ، تأكل الطير منه .
فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ
، فإنه عبر عن الخبز ، الذي تأكله الطير ، بلحم رأسه وشحمه ، وما فيه من المخ ، وأنه لا يقبر ويستر عن الطيور ، بل يصلب ، ويجعل في محل ، تتمكن الطيور من أكله ، ثم أخبرهما بأن هذا التأويل ، الذي تأوله لهما ، أنه لا بد من وقوعه فقال :
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
أي : تسألان عن تعبيره وتفسيره . [ 42 - 47 ] أي :
وَقالَ
يوسف عليه السّلام :
لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا
، وهو : الذي رأى أنه يعصر خمرا :
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
أي : اذكر له شأني وقصتي ، لعله يرقّ لي ، فيخرجني مما أنا فيه ،
فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ
أي : فأنسى الشيطان ذلك الناجي ، ذكر اللّه تعالى ، وذكر ما يقرب إليه ، ومن جملة ذلك نسيانه ، ذكر يوسف الذي يستحق أن يجازى بأتم الإحسان ، وذلك ليتم اللّه أمره وقضاءه .
فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
والبضع : من الثلاث إلى التسع ، ولهذا قيل : إنه لبث سبع سنين ، ولما أراد اللّه أن يتم أمره ، ويأذن بإخراج يوسف من السجن ، قدر لذلك سببا لإخراج يوسف وارتفاع شأنه ، وإعلاء قدره ، وهو رؤيا الملك . لما أراد اللّه تعالى أن يخرج يوسف من السجن ، أرى اللّه الملك هذه الرؤيا العجيبة ، التي تأويلها ، يتناول جميع الأمة ، ليكون تأويلها على يد يوسف ، فيظهر من فضله ، ويبين من علمه ، ما يكون له رفعة في الدارين . ومن