تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
قابلية للهدى ، لولا أنه تعالى منّ علينا بهدايته واتباع رسله .
لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ
أي : حين كانوا يتمتعون بالنعيم ، الذي أخبرت به الرسل ، وصار حق يقين لهم ، بعد أن كان علم يقين لهم ، قالوا لقد تحققنا ، ورأينا ما وعدتنا به الرسل ، وأن جميع ما جاءوا به حق اليقين ، لا مرية فيه ولا إشكال ،
وَنُودُوا
تهنئة لهم ، وإكراما ، وتحية ، واحتراما .
أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها
أي كنتم الوارثين لها ، وصارت إقطاعا لكم ، إذ كان إقطاع الكفار النار ، أورثتموها
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
. قال بعض السلف : أهل الجنة نجوا من النار بعفو اللّه ، وأدخلوا الجنة برحمة اللّه ، واقتسموا المنازل ، وورثوها ، بالأعمال الصالحة ، وهي من رحمته ، بل من أعلى أنواع رحمته . [ 44 ] يقول تعالى - بعد ما ذكر استقرار كل من الفريقين في الدارين ، ووجدا ما أخبرت به الرسل ، ونطقت به الكتب ، من الثواب والعقاب ، أن أهل الجنة نادوا أصحاب النار بأن قالوا :
أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا
حين وعدنا على الإيمان والعمل الصالح ، الجنة ، فأدخلناها ، ورأينا ما وصفه لنا
فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ
على الكفر والمعاصي
حَقًّا
،
قالُوا نَعَمْ
قد وجدناه حقا ، فبين للخلق كلهم ، بيانا لا شك فيه ، صدق وعد اللّه ، ومن أصدق من اللّه قيلا ، وذهبت عنهم الشكوك والشبه ، وصار الأمر حق اليقين ، وفرح المؤمنون بوعد اللّه ، واغتبطوا ، وأيس الكفار من الخير ، وأقروا على أنفسهم بأنهم مستحقون للعذاب . [ 45 ]
فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ
أي : بين أهل النار وأهل الجنة ، بأن قال :
أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ
أي : بعده وإقصاؤه ، عن كل خير
عَلَى الظَّالِمِينَ
إذ فتح اللّه لهم أبواب رحمته ، فصدوا أنفسهم عنها ، ظلما ، وصدوا عن سبيل اللّه بأنفسهم ، وصدوا غيرهم ، فضلوا وأضلوا . واللّه تعالى يريد أن تكون مستقيمة ، ويعتدل سير السالكين إليه ،
وَ
هؤلاء
يَبْغُونَها عِوَجاً
أي : منحرفة صادة عن سواء السبيل ،
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ
. وهذا الذي أوجب لهم الانحراف عن الصراط ، والإقبال على شهوات النفوس المحرمة ، عدم إيمانهم بالبعث ، وعدم خوفهم من العقاب ، ورجائهم للثواب . ومفهوم هذا ، أن رحمة اللّه على المؤمنين ، وبره شامل لهم ، وإحسانه ، متواتر عليهم . [ 46 ] أي : وبين أصحاب الجنة ، وأصحاب النار ، حجاب يقال له :
الْأَعْرافِ
لا من الجنة ، ولا من النار ، يشرف على الدارين ، وينظر من عليه ، حال الفريقين ، وعلى هذا الحجاب ، رجال يعرفون كلا من أهل الجنة والنار ، بسيماهم ، أي : علاماتهم ، التي بها يعرفون ويميزون . فإذا نظروا إلى أهل الجنة ، نادوهم
أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
أي : يحيونهم ، ويسلمون عليهم ، وهم - إلى الآن - لم يدخلوا الجنة ، ولكنهم يطمعون في دخولها ولم يجعل اللّه الطمع في قلوبهم ، إلا لما يريد بهم من كرامته . [ 47 ]
وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ
ورأوا منظرا شنيعا ، وهو لا فظيعا
قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
. فأهل الجنة - إذا رآهم أهل الأعراف - يطمعون أن يكونوا معهم في الجنة ، ويحيونهم ، ويسلمون عليهم ، وعند انصراف أبصارهم ، بغير اختيارهم ، لأهل النار ، يستجيرون من حالهم هذا ، على وجه العموم .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 323 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي