تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
تعالى أحق وأولى بالعفو عن حقه . وكفارة أيضا عن العافي ، فإنه كما عفا عمن جنى عليه ، أو عمن يتعلق به - فإن اللّه يعفو عن زلاته وجناياته .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
قال ابن عباس ، كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق . فهو ظلم أكبر ، عند استحلاله ، وعظيمة كبيرة عند فعله ، غير مستحل له . [ 46 ] أي : وأتبعنا هؤلاء الأنبياء والمرسلين ، الذين يحكمون بالتوراة ، بعبدنا ورسولنا ، عيسى ابن مريم ، روح اللّه وكلمته التي ألقاها إلى مريم . بعثه اللّه مصدقا لما بين يديه من التوراة ، فهو شاهد لموسى ، ولما جاء به من التوراة ، بالحق والصدق ، ومؤيد لدعوته ، وحاكم بشريعته ، وموافق له في أكثر الأمور الشرعية . وقد يكون عيسى عليه السّلام أخف في بعض الأحكام ، كما قال تعالى عنه أنه قال لبني إسرائيل :
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
.
وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ
الكتاب العظيم ، المتمم للتوراة .
فِيهِ هُدىً وَنُورٌ
يهدي إلى الصراط المستقيم ، ويبين الحق من الباطل .
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ
بتثبيتها والشهادة لها ، والموافقة .
وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
فإنهم الذين ينتفعون بالهدى ، ويتعظون بالمواعظ ، ويرتدعون عمّا لا يليق . [ 47 ]
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ
أي : يلزمهم التقيد بكتابهم ، ولا يجوز لهم العدول عنه .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
. [ 48 ] يقول تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ
الذي هو القرآن العظيم ، أفضل الكتب وأجلها .
بِالْحَقِّ
أي : إنزالا بالحق ، ومشتملا على الحق ، في أخباره ، وأوامره ، ونواهيه .
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ
، لأنه شهد للكتب السالفة ، ووافقها ، وطابقت أخباره أخبارها ، وشرائعه الكبار شرائعها ، وأخبرت به ، فصار وجودها مصداقا لخبرها .
وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ
أي : مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة ، وزيادة في المطالب الإلهية ، والأخلاق النفسية . فهو الكتاب الذي يتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به ، وحث عليه ، وأكثر من الطرق الموصلة إليه . وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين . وهو الكتاب الذي فيه الحكم ، والحكمة ، والأحكام ، الذي عرضت عليه الكتب السابقة . فما شهد له بالصدق ، فهو المقبول ، وما شهد له بالرد ، فهو مردود ، قد دخله التحريف والتبديل . وإلا ، فلو كان من عند اللّه ، لم يخالفه .
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
من الحكم الشرعي ، الذي أنزله اللّه عليك .
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
أي : لا تجعل اتباع أهوائهم الفاسدة المعارضة للحق ، بدلا عمّا جاءك من الحق ، فتستبدل الذي هو أدنى ، بالذي هو خير .
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ
أيها الأمم
شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
أي : سبيلا وسنّة . وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم ، هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال ، وكلها ترجع إلى العدل ، في وقت شرعتها . وأما الأصول الكبار ، التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان ، فإنها لا تختلف ، فتشرع في جميع الشرائع .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
تبعا لشريعة واحدة ، لا يختلف متأخرها ولا متقدمها .
وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ
فيختبركم ، وينظر كيف تعملون ، ويبتلي كل أمة بحسب ما تقتضيه حكمته ، ويؤتي كل أحد ما يليق به ، وليحصل التنافس بين الأمم . فكل أمة تحرص على سبق غيرها ، ولهذا قال :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
أي : بادروا إليها ، وأكملوها ، فإن الخيرات الشاملة لكل فرض ومستحب ، من حقوق اللّه ، وحقوق عباده ، لا يصير فاعلها سابقا لغيره ، مستوليا على الأمر ، إلا بأمرين : المبادرة إليها ، وانتهاز الفرصة ، حين يجيء وقتها ، ويعرض عارضها ، والاجتهاد في أدائها ، كاملة على الوجه المأمور به . ويستدل بهذه الآية ، على المبادرة لأداء الصلاة وغيرها ، في أول وقتها . وعلى أنه ينبغي أن لا يقتصر العبد على مجرد ما يجزي في الصلاة وغيرها من العبادات ، من الأمور الواجبة . بل ينبغي أن يأتي بالمستحبات ، التي يقدر عليها ، لتتم وتكتمل ، ويحصل بها السبق .
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
الأمم السابقة واللاحقة ، كلهم سيجمعهم اللّه ، ليوم لا ريب فيه .
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
من الشرائع والأعمال . فيثيب أهل الحق والعمل الصالح ، ويعاقب أهل الباطل ، والعمل