تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
الشرعي ، مخصصا للكتاب . والحكمة في قطع اليد في السرقة ، أن ذلك حفظ للأموال ، واحتياط لها ، وليقطع العضو الذي صدرت منه الجناية . فإن عاد السارق ، قطعت رجله اليسرى . فإن عاد ، فقيل : تقطع يده اليسرى ، ثم رجله اليمنى ، وقيل : يحبس حتى يموت . وقوله :
جَزاءً بِما كَسَبا
أي : ذلك القطع ، جزاء للسارق بما سرقه ، من أموال الناس .
نَكالًا مِنَ اللَّهِ
أي : تنكيلا وترهيبا للسارق ولغيره ، ليرتدع السرّاق - إذا علموا - أنهم سيقطعون إذا سرقوا .
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
أي : عز وحكم ، فقطع السارق .
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 39 ) . فيغفر لمن تاب ، فترك الذنوب ، وأصلح الأعمال والعيوب . وذلك أن اللّه له ملك السماوات والأرض ، يتصرف فيهما بما شاء ، من التصاريف القدرية والشرعية ، والمغفرة ، والعقوبة ، بحسب ما اقتضته حكمته ورحمته الواسعة ومغفرته . [ 41 ] كان الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلم - من شدة حرصه على الخلق - يشتد حزنه لمن يظهر الإيمان ، ثم يرجع إلى الكفر . فأرشده اللّه تعالى ، إلى أنه لا يأسى ولا يحزن على أمثال هؤلاء . فإن هؤلاء ، لا في العير ولا في النفير . إن حضروا لم ينفعوا ، وإن غابوا لم يفقدوا . ولهذا قال - مبينا للسبب الموجب لعدم الحزن عليهم - فقال :
مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
فإن الذين يؤسى ويحزن عليهم ، من كان معدودا من المؤمنين ، ظاهرا وباطنا . وحاشا للّه ، أن يرجع هؤلاء عن دينهم ، ويرتدوا ، فإن الإيمان - إذا خالطت بشاشته القلوب - لم يعدل به صاحبه غيره ، ولم يبغ به بدلا .
وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا
أي : اليهود
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ
أي : مستجيبون ومقلدون لرؤسائهم ، المبني أمرهم على الكذب ، والضلال ، والغي . وهؤلاء الرؤساء المتبعون
لَمْ يَأْتُوكَ
بل أعرضوا عنك وفرحوا بما عندهم من الباطل .
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
أي : يجلبون معاني للألفاظ ، ما أرادها اللّه ، ولا قصدها ، لإضلال الخلق ، ولدفع الحق . فهؤلاء المنقادون ، للدعاة إلى الضلال ، المتبعين للمحال ، الذين يأتون بكل كذب ، لا عقول لهم ولا همم . فلا تبال أيضا ، إذا لم يتبعوك ، لأنهم في غاية النقص ، والناقص لا يؤبه له ، ولا يبالي به .
يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا
أي : هذا قولهم عند محاكمتهم إليك ، لا قصد لهم ، إلا اتباع الهوى . يقول بعضهم لبعض : إن حكم لكم محمد بهذا الحكم ، الذي يوافق هواكم ، فاقبلوا حكمه . وإن لم يحكم لكم به ، فاحذروا أن تتابعوه على ذلك . وهذا فتنة واتباع ما تهوى الأنفس .
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
كقوله تعالى :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
.
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
أي : فلذلك صدر منهم ما صدر . فدل ذلك ، على أن من كان مقصوده بالتحاكم ، إلى الحكم الشرعي ، اتباع هواه ، وأنه إن حكم له رضي ، وإن لم يحكم له ، سخط ، فإن ذلك من عدم طهارة قلبه . كما أن من حاكم وتحاكم إلى الشرع ، ورضي به ، وافق هواه أو خالفه ، فإنه من طهارة القلب . ودل على أن طهارة القلب ، سبب لكل خير ، وهو أكبر داع إلى كل قول رشيد ، وعمل سديد .
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
أي : فضيحة وعار
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 250 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي