تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
المشفقين . والأحبار أي : العلماء الكبار الذين يقتدى بأقوالهم ، وترمق آثارهم ، ولهم لسان الصدق بين أممهم . وذلك الحكم الصادر منهم الموافق للحق
بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ
أي : بسبب أن اللّه استحفظهم على كتابه ، وجعلهم أمناء عليه ، وهو أمانة عندهم ، أوجب عليهم حفظه ، من الزيادة والنقصان والكتمان ، وتعليمه لمن لا يعلمه . وهم شهداء عليه ، بحيث إنهم المرجوع إليهم فيه ، وفيما اشتبه على الناس منه . فاللّه تعالى قد حمل أهل العلم ، ما لم يحمله الجهال ، فيجب عليهم القيام بأعباء ما حملوا . وأن لا يقتدوا بالجهال ، في الإخلاد إلى البطالة والكسل . وأن لا يقتصروا على مجرد العبادات القاصرة ، من أنواع الذكر ، والصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، ونحو ذلك من الأمور ، التي إذا قام بها غير أهل العلم ، سلموا ونجوا . وأما أهل العلم ، فكما أنهم مطالبون أن يعلموا الناس وينبهوهم على ما يحتاجون إليه ، من أمور دينهم ، خصوصا الأمور الأصولية ، والتي يكثر وقوعها وأن لا يخشوا الناس بل يخشون ربهم ولهذا قال :
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
فتكتموا الحق ، وتظهروا الباطل ، لأجل متاع الدنيا القليل . وهذه الآفات ، إذا سلّم منها العالم ، فهو من توفيقه . وسعادته بأن يكون همه ، الاجتهاد في العلم والتعليم ، ويعلم ، أن اللّه قد استحفظه بما أودعه من العلم ، واستشهده عليه وأن يكون خائفا من ربه . ولا يمنعه خوف الناس وخشيتهم ، من القيام بما هو لازم له . وأن لا يؤثر الدنيا على الدين . كما أن علامة شقاوة العالم ، أن يكون مخلدا للبطالة ، غير قائم بما أمر به ، ولا مبال بما استحفظ عليه . قد أهمله وأضاعه ، قد باع الدين بالدنيا ، قد ارتشى في أحكامه ، وأخذ المال على فتاويه ، ولم يعلم عباد اللّه ، إلا بأجرة وجعالة . فهذا قد منّ اللّه عليه بمنة عظيمة ، كفرها ، ودفع حظا جسيما ، حرم منه غيره . فنسألك اللهم ، علما نافعا ، وعملا متقبلا ، وأن ترزقنا العفو والعافية ، من كل بلاء ، يا كريم .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
من الحق المبين ، وحكم بالباطل الذي يعلمه ، لغرض من أغراضه الفاسدة
فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
. فالحكم بغير ما أنزل اللّه من أعمال أهل الكفر ، وقد يكون كفرا ينقل عن الملة . وذلك إذا اعتقد حله وجوازه . وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب ، ومن أعمال الكفر ، قد استحق من فعله ، العذاب الشديد . [ 45 ] هذه الأحكام من جملة الأحكام التي في التوراة ، يحكم بها النبيون الذين أسلموا ، للذين هادوا ، والربانيون ، والأحبار . فإن اللّه أوجب عليهم ، أن النفس - إذا قتلت - تقتل بالنفس بشرط العمد والمكافأة . والعين ، تقلع بالعين ، والأذن تؤخذ بالأذن ، والسن ينزع بالسن . ومثل هذه ما أشبهها من الأطراف التي يمكن الاقتصاص منها بدون حيف .
وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
والاقتصاص : أن يفعل به كما فعل . فمن جرح غيره عمدا ، اقتص من الجارح جرحا ، مثل جرحه للمجروح ، حدا ، وموضعا ، وطولا ، وعرضا وعمقا . وليعلم أن شرع من قبلنا ، شرع لنا ، ما لم يرد شرعنا بخلافه .
فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ
أي : بالقصاص في النفس ، وما دونها من الأطراف والجروح ، بأن عفا عمن جنى ، وثبت له الحق قبله .
فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ
أي : كفارة للجاني ، لأن الآدمي عفا عن حقه . واللّه