تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
مدبرون . فهل يليق أن يكون المملوك العبد الفقير ، إلها معبودا ، غنيا من كل وجه ؟ هذا من أعظم المحال . ولا وجه لاستغرابهم ، لخلق المسيح عيسى ابن مريم ، من غير أب فإن اللّه
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
إن شاء من أب وأم ، كسائر بني آدم ، وإن شاء من أب بلا أم ، كحواء . وإن شاء من أم بلا أب ، كعيسى . وإن شاء من غير أب ولا أم ، كآدم . [ 18 ] فنوع خليقته تعالى ، بمشيئته النافذة ، التي لا يستعصي عليها شيء ولهذا قال :
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
. ومن مقالات اليهود والنصارى ، أن كلا منهما ، ادعى دعوى باطلة ، يزكون بها أنفسهم بأن قال كل منهما :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
. والابن في لغتهم هو الحبيب ، ولم يريدوا البنوة الحقيقية ، فإن هذا ليس من مذهبهم إلا مذهب النصارى في المسيح . قال اللّه ردا عليهم ، حيث ادعوا بلا برهان :
قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ
؟ فلو كنتم أحبابه ، ما عذبكم ، لكون اللّه لا يحب إلا من قام بمراضيه .
بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ
تجري عليكم أحكام العدل والفضل .
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
إذا أتوا بأسباب المغفرة أو أسباب العذاب .
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
أي : فأي شيء خصكم بهذه الفضيلة ، وأنتم من جملة المماليك ، ومن جملة من يرجع إلى اللّه في الدار الآخرة ، فيجازيكم بأعمالكم . [ 19 ] يدعو تبارك وتعالى أهل الكتاب - بسبب ما منّ عليهم من كتابه - أن يؤمنوا برسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويشكروا اللّه تعالى ، الذي أرسله إليهم
عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ
وشدة حاجة إليه . وهذا مما يدعو إلى الإيمان به ، وأن يبين لهم جميع المطالب الإلهية والأحكام الشرعية . وقد قطع اللّه بذلك حجتهم ، لئلا يقولوا :
ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ
. يبشر بالثواب العاجل والآجل ، وبالأعمال الموجبة لذلك ، وصفة العاملين بها . وينذر بالعقاب العاجل والآجل ، وبالأعمال الموجبة لذلك ، وصفة العاملين بها .
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
انقادت الأشياء طوعا وإذعانا ، لقدرته ، فلا يستعصي عليه شيء منها . ومن قدرته أن أرسل الرسل ، وأنزل الكتب ، وأنه يثيب من أطاعهم ويعاقب من عصاهم . [ 20 ] لما امتنّ اللّه على موسى وقومه ، بنجاتهم من فرعون وقومه ، وأسرهم واستعبادهم ، ذهبوا قاصدين ، لأوطانهم ومساكنهم ، وهي بيت المقدس ، وما حواليه وقاربوا وصول بيت المقدس . وكان اللّه قد فرض عليهم جهاد عدوهم ، ليخرجوه من ديارهم . فوعظهم موسى عليه السلام ؛ وذكّرهم ، ليقووا على الجهاد فقال :
اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
بقلوبكم وألسنتكم . فإن ذكرها داع إلى محبته تعالى ومنشط على العبادة .
إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ
يدعونكم إلى الهدى ، ويحذرونكم من الردى ويحثونكم على سعادتكم الأبدية ، ويعلمونكم ما لم تكونوا تعلمون .
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً
تملكون أمركم ، بحيث إنه زال عنكم استعباد عدوكم لكم ، فكنتم تملكون أمركم ، وتتمكنون من إقامة دينكم .
وَآتاكُمْ
من النعم الدينية والدنيوية
ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
. فإنهم - في ذلك الزمان - خيرة الخلق ، وأكرمهم على اللّه . وقد أنعم عليهم بنعم ما كانت لغيرهم .