تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
[ 21 ] فذكرهم بالنعم الدينية والدنيوية ، الداعي ذلك لإيمانهم ، وثباته ، وثباتهم على الجهاد ، وإقدامهم عليه ولهذا قال :
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ
أي : المطهرة
الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
. فأخبرهم خبرا تطمئن به أنفسهم ، إن كانوا مؤمنين مصدقين بخبر اللّه . وأنه قد كتب اللّه لهم دخولها ، وانتصارهم على عدوهم .
وَلا تَرْتَدُّوا
أي : ترجعوا
عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ
قد خسرتم دنياكم ، بما فاتكم من النصر على الأعداء ، وفتح بلادكم . وآخرتكم ، بما فاتكم من الثواب ، وما استحققتم - بمعصيتكم - من العقاب . فقالوا قولا ، يدل على ضعف قلوبهم ، وخور نفوسهم ، وعدم اهتمامهم بأمر اللّه ورسوله . [ 22 ]
يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ
شديدي القوة والشجاعة ، أي : فهذا من الموانع لنا من دخولها .
وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ
. وهذا من الجبن وقلة اليقين . وإلا ، فلو كان معهم رشدهم ، لعلموا أنهم كلهم من بني آدم ، وأن القوي ، من أعانه اللّه بقوة من عنده ، فإنه لا حول ولا قوة إلا باللّه . ولعلموا أنهم سينصرون عليهم ، إذ وعدهم اللّه بذلك ، وعدا خاصا . [ 23 ]
قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ
اللّه تعالى ، مشجعين لقومهم ، منهضين لهم على قتال عدوهم ، واحتلال بلادهم .
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا
بالتوفيق ، وكلمة الحق ، في هذا الموطن المحتاج إلى مثل كلامهم ، وأنعم عليهم بالصبر واليقين .
ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ
أي : ليس بينكم وبين نصركم عليهم إلا أن تجزموا عليهم ، وتدخلوا عليهم الباب ، فإذا دخلتموه عليهم ، فإنهم سينهزمون . ثم أمرهم بعدة هي أقوى العدد فقال :
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
. فإن في التوكل على اللّه - وخصوصا في هذا الموطن - تيسيرا للأمر ، ونصرا على الأعداء . ودل هذا على وجوب التوكل ، وعلى أنه بحسب إيمان العبد ، يكون توكله . [ 24 - 26 ] فلم ينجع فيهم هذا الكلام ، ولا نفع فيهم الملام ، فقالوا قول الأذلين :
يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
. فما أشنع هذا الكلام منهم ، ومواجهتهم به لنبيهم في هذا المقام الحرج الضيق ، الذي قد دعت الحاجة والضرورة فيه إلى نصرة نبيهم ، وإعزاز أنفسهم . وبهذا وأمثاله ، يظهر التفاوت بين سائر الأمم ، وأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، حيث قال الصحابة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - حين شاورهم في القتال يوم « بدر » مع أنه لم يحتم عليهم : يا رسول اللّه ، لو خضت بنا هذا البحر ، لخضناه معك ، ولو بلغت بنا برك الغماد ، ما تخلف عنك أحد . ولا نقول كما قال قوم موسى لموسى : اذهب
أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، من بين يديك ومن خلفك ، وعن يمينك ، وعن يسارك . فلما رأى موسى عليه السلام ، عتوهم عليه
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي
أي : فلا يدان لنا بقتالهم ، ولست بجبار على هؤلاء .
فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
أي : احكم بيننا وبينهم ، بأن تنزل فيهم من العقوبة ، ما اقتضته حكمتك . ودل ذلك ، على أن قولهم وفعلهم ، من الكبائر العظيمة الموجبة للفسق .
قالَ
اللّه مجيبا لدعوة موسى :
فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
أي : إن من عقوبتهم ، أن نحرم عليهم دخول هذه القرية التي