تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
والخسران . وهذه نعمة كبيرة ، على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، تتضمن النعمة بالعمل ، وهو : التوفيق لفعل ما يحب ، والعصمة له عن كل محرم . ثم ذكر نعمته عليه بالعلم فقال :
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
أي : أنزل عليك هذا القرآن العظيم ، والذكر الحكيم ، الذي فيه تبيان كل شيء ، وعلم الأولين والآخرين . والحكمة : إما السنّة ، التي قد قال فيها بعض السلف : إن السنّة تنزل عليه ، كما ينزل القرآن . وإما معرفة أسرار الشريعة الزائدة ، على معرفة أحكامها ، وتنزيل الأشياء منازلها ، وترتيب كل شيء بحسبه .
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
وهذا يشمل جميع ما علمه اللّه تعالى . فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما وصفه اللّه قبل النبوة بقوله :
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ
،
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
( 7 ) . ثم لم يزل يوحي اللّه إليه ، ويعلمه ، ويكمله ، حتى ارتقى مقاما من العلم ، يتعذر وصوله على الأولين والآخرين . فكان أعلم الخلق على الإطلاق ، وأجمعهم لصفات الكمال ، وأكملهم فيها . ولهذا قال :
وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
ففضله على الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أعظم من فضله على كل الخلق . وأجناس الفضل التي قد فضله اللّه به ، لا يمكن استقصاؤها ولا يتيسر إحصاؤها . [ 114 ] أي : لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون . وإذا لم يكن فيه خير ، فإما لا فائدة فيه ، كفضول الكلام المباح ، وإما شر ومضرة محضة ، كالكلام المحرم بجميع أنواعه . ثم استثنى تعالى فقال :
إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
من مال ، أو علم ، أو أي نفع كان . بل لعله ، يدخل فيه العبادات القاصرة ، كالتسبيح ، والتحميد ، ونحوه . كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن بكل تسبيحة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، وفي بضع أحدكم صدقة » الحديث .
أَوْ مَعْرُوفٍ
وهو الإحسان والطاعة ، وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه . وإذا أطلق الأمر بالمعروف ، من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر ، دخل فيه النهي عن المنكر . وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف . وأيضا لا يتم فعل الخير ، إلا بترك الشر . وأما عند الاقتران ، فيفسر المعروف ، بفعل المأمور ، والمنكر ، بترك المنهي .
أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
والإصلاح ، لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين . والنزاع ، والخصام ، والتغاضب ، يوجب من الشر والفرقة ، ما لا يمكن حصره . فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين الناس ، في الدماء والأموال والأعراض . بل وفي الأديان ، كما قال تعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
. وقال تعالى :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
الآية . وقال تعالى :
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
. والساعي في الإصلاح بين الناس ، أفضل من القانت بالصلاة ، والصيام ، والصدقة . والمصلح لا بد أن يصلح اللّه سعيه وعمله . كما أن الساعي في الإفساد ، لا يصلح اللّه عمله ، ولا يتم له مقصوده كما قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
. فهذه الأشياء ، حيثما فعلت ، فهي خير ، كما دل على ذلك الاستثناء . ولكن كمال الأجر وتمامه ، بحسب النية والإخلاص ، ولهذا قال :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
. فلهذا ينبغي للعبد ، أن يقصد وجه اللّه تعالى ، ويخلص العمل للّه ، في كل وقت ، وفي كل جزء من أجزاء الخير ، ليحصل له بذلك ، الأجر العظيم ، وليتعود الإخلاص ، فيكون من المخلصين ، وليتم له الأجر ، سواء تم مقصوده أم لا ، لأن النية حصلت ، واقترن بها ، ما يمكن من العمل . [ 115 ] أي : ومن يخالف الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويعانده فيما جاء به
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى
بالدلائل القرآنية ، والبراهين النبوية .
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ
وسبيلهم هو : طريقهم في عقائدهم وأعمالهم .
نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى
أي : نتركه وما اختاره لنفسه ، ونخذله ، فلا نوفقه للخير ، لكونه رأى الحق وعلمه وتركه . فجزاؤه من اللّه عدلا ، أن يبقيه في ضلاله حائرا ، ويزداد ضلالا إلى ضلاله . كما قال تعالى :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
، وقال تعالى :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
. ويدل مفهومها ، على أن من لم يشاقق الرسول ، ويتبع سبيل المؤمنين ، بأن كان قصده وجه اللّه ، واتباع رسوله ، ولزوم جماعة المسلمين ، ثم صدر منه ، من الذنوب أو الهم بها ، ما هو من