تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
وهن القلب ، مستدع لوهن البدن ، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء . بل كونوا أقوياء ، نشيطين في قتالهم . ثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين ، فذكر شيئين : الأول : أن ما يصيبكم من الألم ، والتعب ، والجراح ونحو ذلك ، فإنه يصيب أعداءكم . فليس من المروءة الإنسانية ، والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم ، وأنتم وهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك . لأن العادة الجارية ، أن لا يضعف ، إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام . لا من يدال له مرة ، ويدال عليه أخرى . الأمر الثاني : أنكم ترجون من اللّه ما لا يرجون . فترجون الفوز بثوابه ، والنجاة من عقابه . بل خواص المؤمنين ، لهم مقاصد عالية ، وآمال رفيعة ، من نصر دين اللّه ، وإقامة شرعه ، واتساع دائرة الإسلام ، وهداية الضالين ، وقمع أعداء الدين . فهذه الأمور ، توجب للمؤمن المصدق ، زيادة القوة ، وتضاعف النشاط ، والشجاعة التامة ؛ لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي ، إن ناله ، ليس كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية ، والفوز برضوان اللّه وجنته . فسبحان من فاوت بين العباد ، وفرّق بينهم بعلمه وحكمته . ولهذا قال :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
كامل العلم ، كامل الحكمة . [ 105 ] يخبر تعالى ، أنه أنزل على عبده ورسوله الكتاب بالحق ، أي : محفوظ في إنزاله من الشياطين ، أن يتطرق إليه منهم باطل . بل نزل بالحق ، ومشتملا أيضا على الحق . فأخباره صدق ، وأوامره ونواهيه عدل
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا
. وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس . وفي الآية الأخرى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
. فيحتمل أن هذه الآية ، في الحكم بين الناس ، في مسائل النزاع والاختلاف . وتلك في تبيين جميع الدين ، وأصوله ، وفروعه . ويحتمل أن الآيتين كلتيهما ، معناهما واحد . فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد ، وفي جميع مسائل الأحكام . وقوله :
بِما أَراكَ اللَّهُ
أي : لا بهواك ، بل بما علمك اللّه وألهمك . كقوله تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
( 4 ) . وفي هذا دليل على عصمته صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيما يبلغ عن اللّه من جميع الأحكام وغيرها . وأنه يشترط في الحكم ، العلم والعدل لقوله :
بِما أَراكَ اللَّهُ
ولم يقل : بما رأيت . ورتب أيضا ، الحكم بين الناس على معرفة الكتاب . ولما أمر اللّه بالحكم بين الناس المتضمن للعدل والقسط ، نهاه عن الجور والظلم ، الذي هو ضد العدل فقال :
وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً
أي : لا تخاصم عن من عرفت خيانته ، من مدع ما ليس له ، أو منكر حقا عليه ، سواء علم ذلك ، أو ظنه . ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل ، والنيابة عن المبطل ، في الخصومات الدينية ، والحقوق الدنيوية . [ 106 ] ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم .
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ
مما صدر منك ، إن صدر .
إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
أي : يغفر الذنب العظيم ، لمن استغفره ، وتاب إليه وأناب ، ويوفقه للعمل الصالح بعد ذلك ، الموجب لثوابه ، وزوال عقابه . [ 107 ]
وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
. « الاختيان » و « الخيانة » بمعنى الجناية ، والظلم ، والإثم ،